أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    (( الحججُ الواضحات )) للعلامة السيد إسحاق عزوز الحسني المكي رحمه الله تعالى (2) ( منقول )

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    (( الحججُ الواضحات )) للعلامة السيد إسحاق عزوز الحسني المكي رحمه الله تعالى (2) ( منقول )

    مُساهمة  حجة الحق في الأحد يناير 17, 2010 12:56 pm

    إيمان عبد المطّلب جد النّبي 
    أكثر النّاس في عبد المطّلب مستدلّين على كفره بما لا يصلح دليلاً ويعارض ما ذكرناه من إسلام أصوله  وانتقال النّور النّبوي من صلب إلى صلب.
    قال الشهرستاني في « الملل والنّحل » : ظهرَ نورُ النّبي  في أسارير عبد المطّلب بعض الظّهور، وببركة ذلك النّور كان يأمر ولده بترك الظّلم والبغي، ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيّات الأمور، وببركة ذلك النّور كان يقول في وصاياه : إنّه لن يخرج من الدّنيا ظلوم حتّى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هَلَك رجل ظلوم ولم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطّلب في ذلك ففكر وقال : والله إن وراء هذه الدّار دارًا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته.
    وببركة هذا النّور قال عبد المطّلب لأبرهة : إنّ لهذا البيت ربًّا يحميه.
    وببركة هذا النّور قال وقد صعد أبا قيس :
    اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
    لا يغلبن صليبهم ومحالهم يومًا محالك
    وانصر على آل الصّليب وعابدين اليوم آلك
    قال السّيوطي : وينضمُّ إلى هذا أنَّ النّبي  قد انتسب إليه يوم حنين، فقال :
    (( أنا النّبي لا كذب... أنا ابن عبدالمطّلب ))
    وهذا من أقوى ما يقوى به القول أنّه كان على دين إبراهيم، لأنَّ الفخر بالانتساب إلى الآباء الكفّار منهيٌّ عنه، فروى البيهقي عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله  قال : (( لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فو الذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خيرٌ من آبائكم الذين ماتوا في الجاهليّة )).
    وروى البيهقي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال : (( إنّ الله أذهب عنكم عَبيَّة الجاهليّة وفخرها بالآباء، لينتهينَّ أقوام يفتخرون برجال، إنّما هم فحم من فحم جهنّم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعْلان التي ترفع النّتن بأنفها )).
    وأورد البيهقي في « شعب الإيمان » حديث مسلم : ((أنَّ في أمتي أربعًا من أمر الجاهليّة ليسوا بتاركين : الفخر في الأحساب.. )). الحديث.
    وإشارته  إلى اصطفاء آبائه ليس من باب الفخر، وإنّما هو من باب التحدّث بنعمة الله عليه.
    وفي حديث البزّار الذي أوردناه فيما سبق من قوله  : (( ما بال أقوام ينزلون أصلي فوالله لأفضلهم أصلاً وخيرهم موضعًا ))، وأحاديث : ((ما افترق فرقتين إلاَّ وجعلني الله في خيرها )) أتم الدلالة على سلامة أصوله من الشّرك.
    وما ورد في « الصحيح » من قول أبي طالب : ((أموت على ملّة عبد المطّلب)) لا دلالة فيه على أنّ عبد المطّلب قد مات على الشّرك أو أنّ أحدًا منهما قد عبد الأصنام وإنّما أبو طالب أدرك مبعث النّبي  ولم يؤمن به ظاهرًا، أمّا عبد المطّلب فإنّه لم يدرك مبعثه ، فلم يتشرّف بالإيمان به ولا دلالة في ذلك على أنّه لم يكن على دين حق، وهو ملة إبراهيم عليه السّلام التي لم تنسخ بعد.
    *********

    إيمان أمّهاته 
    وبعد ذكر أجداده وسلامتهم من الشرك نأتي على ذكر سلسلة أمّهاته وسلامتهن من الشّرك وطهارتهن من السّفاح.
    قال السّيوطي في « الحاوي » : استقرأت أمّهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات، فأمُّ إسحاق، وموسى، وهارون، وعيسى، وحواء أم شيث، مذكورات في القرآن، بل قيل بنبوّتهن.
    ووردت الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل، وأم يعقوب، وأمّهات أولاده، وأم داود، وسليمان، وزكريّا، ويحيى، وشمويل، وشمعون، وذي الكفل.
    ونص بعض المفسّرين على إيمان أم نوح، وأم إبراهيم، ورجّحه أبو حيّان في « تفسيره ».
    وقد تقدّم عن ابن عبّاس أنّه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ولهذا قال نوح : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا } ]نوح : 28[. وقال إبراهيم : { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } ]إبراهيم : 41[. ولم يعتذر من استغفار إبراهيم في القرآن إلاَّ لأبيه خاصّةً دون أمّه تدل على أنّها كانت مؤمنة، وقد دلّت الأخبار السّابقة على أنّ آزر الّذي استغفر له لم يكن إلاَّ عمّه.
    وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه عن ابن عبّاس قال: (( كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلاَّ عشرة : نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد -عليهم السّلام- )).
    وبنوا إسرائيل كلّهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافرًا إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر، فأمّهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلّهن مؤمنات.
    وأيضًا فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم، فإنَّ النبوّة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.
    وأمّا العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل، فقد ثبت إيمان أم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وبقي أم هود، وصالح، ولوط، وشعيب، فالظّاهر - إن شاء الله - إيمانهن - أي أسوة بالآخرين -.
    فكذلك أم النّبي  وكأنَّ السّر في ذلك ما يرينه من النّور، كما ورد في حديث أحمد والبزّار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أنَّ رسول الله  قال : ((إنّي عبد الله وخاتم النبيّين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمّي التي رأت )). وكذلك أمّهات النبيّين يرين.
    وإنّ أم رسول الله  رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشّام، ولا شك أنَّ الذي رأته أم النبي  في حال حملها وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمّهات الأنبياء كما سبق في كتب السّيرة.
    وقال السّيوطي أيضًا : أخرج أبو نعيم في «دلائل النبوّة» بسند ضعيف من طريق الزّهري عن أم سماعة بنت أبي رهم، عن أمّها قالت : شهدت آمنة أم رسول الله  في علّتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يقع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه، ثم قالت :
    باركَ فيك اللهُ من غلام يا ابنَ الذي من حومه الحمام
    نجا بعونِ الملكِ المنعام فودي غداة الضرب بالسّهام
    بمائة من إبل سوام إن صح ما أبصرت في المنام
    فأنت مبعوث إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام
    تبعث في الحِلِّ وفي الحرام تبعث بالتّحقيق والإسلام
    دين أبيك إبراهام فالله نهاك عن الأصنام
    أن لا نواليها مع الأقوام
    ثم قالت : كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرًا وولدت ظهرًا.
    قال السّيوطي : وما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدّين الدّمشقي :
    تنقل أحمد نورًا عظيمًا تلألأ في جباه السّاجدينا
    تقلَّب فيهم قرنًا فقرنًا إلى أن جاء خير المرسلينا
    وقال أيضًا :
    حفظَ الله كرامةً لمحمدًا آباءه الأمجادَ صونًا لاسمه
    تركوا السّفاح فلم يصبهم عارةً من آدم حتّى أبيه وأمّه
    وقال الشّرف البوصيري صاحب البردة :
    لم تزل في ضمائر الغيب تختار لك الأمّهات والآباء
    ما مضت فترةً من الرّسل إلاَّ بشَّرت قومها بك الأنبياء
    تتباهى بك العصور وتسمو بك عليا، بعدها علياءُ
    وبدا للوجود منك كريم من كريم آباؤه كرماء
    نسب تحسب العلا بحلاه قلدتها نجومها الجوزاء
    *********

    المسلك الثالث
    استدلال البعض على نجاة الأبوين بأنّهما ماتا في الفترة ولا داعي لذلك الاستدلال
    ما أوردته من آيات في المسلك الأوّل يدل على أنَّ إبراهيم عليه السلام قد دعا لذرّيته من ولد إسماعيل عليه السّلام بالإسلام، وأن تبقى ملّته في عقبه إلى بعثة نبيّنا ، وأن يجنبهم عبادة الأصنام، وبيَّنَّا أنّه لما وجد في ذرّيته من يعبد الأصنام ظهر أنَّ المخصوص بالدّعاء ليس جميع ذرّيته، وإنّما طائفة من ذرّيّته هم آباؤه وأجداده وأمّهاته إذ هم أولى باحتساب رسول الله  منهم نسبًا قريبًا وملّةً كما قال تعالى : { وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } ]البقرة : 129[.
    وكذلك بيَّنَّا في المسلك الثّاني ما في الأحاديث من دلالة على طهارة نسبه من آدم من الشّرك والسّفاح حتى تسلسلوا إلى إبراهيم، ومنه إلى أن ولد عبدالله وآمنة رسول الله  فأبقاهم الله جميعًا على ملّته لم يغيِّروا ولم يبدلوا استجابةً لدعاء الخليل عليه السّلام.
    ومثل هؤلاء لا يقال عنهم أنّهم من أهل الفترة، بل من الملة الحنيفية الإبراهيمية ممن شملهم دعاؤه بالأولى ببقاء ملته في عقبه حتى يبعث رسول الله  منهم، فهم من الأمة المسلمة من ذريَّة إبراهيم وإسماعيل، ولا يجب عليهم الإيمان برسول آخر خارج عن ذرّيّة إسماعيل.
    أما عن حكم أهل الفترة نجاتهم أو عذابهم، فقد قال السّيوطي في «الحاوي» : (( أطبقت أئمّتنا من أهل الكلام والأصول والفقه على أنّ من مات ولم تبلغه الدّعوة يموت ناجيًا، مستدلّين على أنّه لا تعذيب قبل البعثة، رادّين بذلك على المعتزلة ومن وافقهم على تحكيم العقل بآيات منها :
    1 - قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } ]الإسراء : 15[.
    أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره في الآية عن قتادة قال : (( إنَّ الله ليس بمعذِّب أحدًا حتى يسبق إليه من الله تعالى خبرًا أو تأتيه من الله بيِّنَة )).
    2 - وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا } ]القصص : 59[.
    3 - وقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } ]طه : 134 [.
    4 - وقوله تعالى : { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ] القصص : 47 [.
    5 - وقوله تعالى : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } ] الشّعراء : 208 - 209 [.
    6 - وقوله تعالى : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } ] الأنعام : 155 - 156 [.
    واعلم أنّه مع اتّفاقهم على أن لا تعذيب لقوم قبل بعثة نبيّ إليهم، قال قوم : المراد به أنّه لا تعذيب في الدّنيا بالهلاك والقذف والمسخ ونحوه إلاَّ بعد بعثة نبيّ لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا } ]القصص : 59[، ونحوها.
    وقال آخرون : المراد أنّه لا تعذيب لا في الدّنيا ولا في الآخرة إلاَّ بعد دعوة نبي لهم لاحتجاج الله عليهم بأنّه لم يعذّبهم إلاَّ لكفرهم بمن أرسل إليهم، ومن لم تبلغه الدّعوة يعامل في الدّنيا كالمسلم فيضمن بالكفّارة والدّيّة ولا يقاتل، ولكن لا يجب القصاص على قاتله.
    ودلَّت بعض الأحاديث على أنَّ أهل الفترة يمتحنون في الآخرة، فمن أطاع منهم أُدخِل الجنَّة، ومن عصى أُدخِل النَّار.
    ومن ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» والبيهقي في كتاب «الاعتقاد» وصححه عن الأسود بن سريع أنّ النبي  قال : (( أربعة يمتحنون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأمّا الأصم فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأمّا الأحمق فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأمّا الهرم فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأمّا الذي مات في الفترة فيقول : ربِّ ما أتاني لك رسول.
    فيأخذ مواثيقَهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم : ادخلوا النّار فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها )).
    وأضيف إلى ذلك روايات أخرى ((الأبكم))، و((من مات صغيرًا)).
    هذا وقد صحّت أحاديث بتعذيبِ أشخاص من أهل الفترة ذكروا بأسمائهم ممّن بدَّل وغيَّر الشّرائع، وشرع من الضلال ما لا يعذر به كعمرو بن لحي وغيره.
    أمّا أهل الفترة فإنّه يراد بهم الأمم الكائنة بين أزمنة الرّسل الّذين لم يُرْسَل إليهم الأوّل ولا أدركوا الثّاني، ولم تبلغهم أي دعوة حق أصلاً كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام، ولا لحقوا النبي .
    ومن اهل الفترة من أُرسِل إليهم نبيٌّ، ولكن اندرست شريعته كلّية، فإن لم تندرس شريعته بالكلّية ولو طَرَأَ عليها التّحريف والفساد فليس أهلها أصحاب فترة كاليهود والنّصارى، فإنّهم ليسوا أهل فترة رغم تحريفهم وتبديلهم.
    أمّا العرب من ذرّيّة إسماعيل -عليه السّلام - فإنّهم كانوا خارجين عن دعوة عيسى عليه السّلام.
    وقد سبق النّقل عن ابن كثير وغيره أنَّ العرب كانت على دين إبراهيم عليه السّلام إلى أن غيَّره عمرو بن لحي فَنَصَبَ الأوثانَ وشَرَعَ الضلالات، وتَبِعَهُ العرب من بعده ولكن بقيت بقايا من دين إبراهيم عليه السّلام استجابةً لدعوته عليه السّلام { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ...... رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } ] إبراهيم : 35، 40[.
    { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } ] الزخرف : 28[.
    ووضّحنا أنّ أولى النّاس بهذه الدّعوة وبقاء الملّة فيهم هم سلسلة الأجداد الشّريفة لما ورد : (( وما افترق النّاس فرقتين إلاَّ جعلني الله في خيرها )).
    ولما ورد : (( أن الأرض من عَهد آدم عليه السلام إلى بعثة النبي  لا تخلو من ناس يعبدون الله ويوحّدونه )).
    في هذا أتم الدّلالة على سلامة أصوله  من الشّرك وإلاَّ لما صحَّ أن يكون أصل منهم من خير قرنه أو خيرهم إذ المشرك لا يكون خيرًا من المسلم بأيَّ حال من الأحوال، ولذا فإنه لا داعي - لمحاولة توجيه نجاة الأبوين بأنّهم من أهل فترة - الظن فيهما أن يطيعا عند الامتحان بشفاعته  وسابق الوعد له في قوله تعالى : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } ]الضّحى : 5 [، وأنّه لا يرضى أن يدخل أحد من أهل بيته النّار، فكل ذلك الاعتذار بالنّسبة للأبوين مبنيٌّ على أنّهما لم يكونا على دين حق، وقد علمت خلاف ذلك وأن كل أصل من أصوله  كان خير أهل قرنه، ولا مانع من شفاعته  لإعلاء درجاتهما أكثر وأكثر، فهذا مما يرضيه .
    أما نيل أهل بيته لشفاعته  فقد وردت به أحاديث عديدة يشدُّ بعضها بعضًا، فإنَّ الحديث الضّعيف يتقوّى بكثرة طرقه.
    ومنها ما أخرجه الطّبراني من حديث أم هانئ أنّ النبي  قال : (( ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وأن شفاعتي تنال حاء وحكم )).
    وحاء وحكم قبيلتان جافيتان من اليمن.
    وهذا، ولما كان أصوله  من ذرّيّة إبراهيم من إسماعيل باقين على الحنفية استجابة لدعوة إبراهيم عليه السّلام، فكذلك كان جماعة في زمن الجاهلية قد تدينوا بدين إبراهيم – عليه السّلام – وتركوا الشّرك ومنهم كما قال ابن الجوزي في «التلقيح» : أبو بكر الصدّيق، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل، ورباب بن البراء، وأسعد أبو كرب الحميري، وقس بن ساعدة الأيادي، وأبو قيس بن صرمة.
    وقد وردت الأحاديث بتحنث زيد وورقة وقس، وممّن تحنَّث عمرو بن عبسة السُّلَمي كما أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوّة» أنّه قال : (( رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة )).
    وأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في «الدلائل» أن عمير بن حبيب الجهني تَرَكَ الشرك في الجاهلية وصلَّى لله وعاش حتى أدرك الإسلام.
    ومما ذكر تعلم عدم شمول الشّرك جميع ذرّيّة إبراهيم عليه السّلام من بعده إلى بعثة النبي  وأن شرعه من جهة إسماعيل لم يندرس، بل بقيت بقية على دينه.
    أما الأكثر من العرب فكانوا يزعمون انتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام، بينما فَشَا فيهم فساد كبير مما أحدثه عمرو بن لحي في دينه عليه السلام من عبادة الأصنام والفتنة في الدين وغَلَبة الجهل على الناس، فأولى تسميتهم أهل الجاهلية لغلبة الجهل على الأكثر وخلوِّ الزّمان عن المبلِّغ والزّاجر.
    ولذا فإنّ العرب ما بين عيسى ومحمد عليهما السّلام من حيث النجاة وعدمها على مراتب :
    1 – منهم : من بقي على شريعة إبراهيم – عليه السلام – فوحَّدَ الله ولم يعبد الأصنام كآبائه ، وقس بن ساعدة وغيره، فهؤلاء مؤمنون ناجون.
    2 – ومنهم : من دخل في شريعة حق قائمة كمن تهوَّد وتنصَّر، فحكمه حكم أهل الدين الّذي دخل فيه ما لم يلحق الإسلام الناسخ لكل دين فإنه سيعذب إذا لم يؤمن.
    3 – ومنهم : من لم تبلغه دعوة لأي نبي كالأعراب الّذين لم يرسل إليهم عيسى فهؤلاء أهل فترة.
    4 – ومنهم : من كان في زمن جاهليّة ملأ الجهل الأرض وفقدت الشرائع من آل يعقوب، ولم تبلغ الدّعوة على وجهها إلاَّ نفرًا يسيرًا من أهل الكتاب متفرقين في أقطار الأرض والشام وغيرها، ولم يعهد للجاهل تقلّب في الأسفار إلى مواطنهم، ولم يعمَّر عمرًا طويلاً يمكّنه من التنقيب فهؤلاء أهل فترة أيضًا إذا لم يشركوا بالله.
    5 – ومنهم : من لم يشرك ولا دخل في شريعة ولا ابتكر لنفسه شريعة، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله فهؤلاء أهل فترة أيضًا وفي الجاهلية من كان كذلك.
    6 – ومنهم : من بدَّل وغيَّر وأشرك ولم يؤمن، وشرع لنفسه، وحلَّل وحرَّم، وهم أكثر العرب اتبعوا عمرو بن لحي أول من سنَّ للعرب عبادة الأصنام، وشرع لهم الضلالات، وأدخل في التّلبية ما ليس منها، وزاد بعضهم عليه من بعده ضلالاً من عبادة الجنّ والملائكة ووأد البنات واتّخاذ بيوت جعلوا لها سدنةً وحجابًا يضاهون بها الكعبة كاللاتِ والعُزَّى ومَنَاة، وعلى هؤلاء يحمل من صح تعذيبه لكفرهم بما لا يعذرون به.
    7 – ومنهم : من بلغته دعوة أحد من الأنبياء السابقين، ثم أصرَّ على كفره فهو في النّار قطعًا بلا نزاع.
    *********

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 11:22 am