أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    (( الحججُ الواضحات )) للعلامة السيد إسحاق عزوز الحسني المكي رحمه الله تعالى (3) ( منقول )

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    (( الحججُ الواضحات )) للعلامة السيد إسحاق عزوز الحسني المكي رحمه الله تعالى (3) ( منقول )

    مُساهمة  حجة الحق في الأحد يناير 17, 2010 12:58 pm

    المسلك الرابع
    استدلال البعض على نجاة الأبوين بما رُوي من إحيائهما ولا حاجة لذلك
    ذهب كثير من حُفَّاظ المحدّثين وغيرهم كابن شاهين والحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري وناصر الدين ابن المنيِّر وغيرهم إلى أن الله أحيا له  أبويه فآمنا به، واستدلوا لذلك بحديث ضعيف أسند عن عائشة رضي الله عنها قالت : حجَّ بنا رسول الله  حجة الوداع فمرَّ بعقبة الحجون، وهو باكٍ حزين، فقام فمكث طويلاً، ثم دعا وهو فرح مبتسم، فقلت له في ذلك، فقال : (( ذهبت لقبر أمي فسألتُ الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها إليه )) "أي إلى القبر".
    وهذا الحديث ضعيف باتّفاق المحدِّثين، ولا حاجة إلى الاحتجاج به لثبوت إسلام أبويه  بالكتاب والسنة حيث كانا وكل آبائه وأجداده على دين جدهم إبراهيم عليه السلام، كما تقدم بيانه في المسلكين السابقين، وإن ثبت إحياؤهما وإيمانهما به  بعد الإحياء، فذلك يوجب تشريفها بتجديد إيمانها على يده  ومبايعته عليه السلام على أنه لم يثبت عن الوالدين شرك.
    وسيأتي في فصل خاص الجواب عما ورد من أحاديث توحي بعد إسلام الوالدين فانتظر.
    *********

    الجواب عما استدل به البعض على عدم نجاة الأبوين
    أخرج ابن عساكر في تاريخه قال : كان رجل من كتاب الشام مأمونًا عندهم (أي بني أمية)، استعمل رجلاً على كورة الشام، وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ عمر بن عبد العزيز ذلك، فقال : ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين يزن بالمنانية ؟ قال : أصلح الله أمير المؤمنين وما عليَّ، كان أبو النبي  مشركًا، فقال عمر : آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال : أأقطع لسانه ؟ أأقطع يده ورجله ؟ أأضرب عنقه ؟ ثم قال : لا تلي لي شيئًا ما بقيت.
    ونبتت نابتة في هذه الأيام تكثر من الطعن واللمز في أبويّ المصطفى ، وكأنَّ ذلك ركن لا يتم الإسلام إلاَّ به، ردّدوا عن أب المصطفى ما رواه مسلم عن أنس أن رجلاً قال : يا رسول الله: أين أبي ؟ قال : ((في النار)). فلما قفي دعاه قال (( إن أبي وأباك في النار )).
    قال السيوطي : لفظ ((أبي وأباك في النار)) لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وهي الطريق التي رواه مسلم بها.
    وقد خالفه معمر عن ثابت، فلم يذكر أن : (( أبي وأباك في النار ))، ولكن قال له : ((إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار))، وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده  بأمر البتة، وهو أثبت من حيث الرواية لأن معمرًا أثبت من حماد، فإن حمادًا تُكلِّمَ في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسَّها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدَّث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئًا، ولا خرج له مسلم في الأصول إلاَّ من روايته عن ثابت.
    قال الحاكم في «المدخل» : ما خرّج مسلم لحماد في الأصول إلاَّ من حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيئًا من حديثه واتّفق على التّخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت.
    ثم وجدنا الحديث ورد عن حديث سعد بن أبي وقاص مثل لفظ : ( رواية معمر عن ثابت عن أنس )، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن أعرابيًّا قال لرسول الله  : أين أبي ؟ قال : ((في النار)) قال : فأين أبوك ؟ قال : (( حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنّار)) وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعيَّن الاعتماد على هذا اللّفظ، وتقديمه على غيره.
    وقد زاد الطّبراني والبيهقي في آخره قال : فأسلم الأعرابي بعد ذلك، فقال : كلّفني رسول الله  تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلاَّ بشَّرته بالنّار.
    وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه قال : جاء أعرابيٌّ إلى النبي  فقال : يا رسول الله إنَّ أبي كان يَصِلُ الرّحم، وكان... فأين هو ؟ قال : في النار، فكأنه وجد من ذلك فقال : يا رسول الله أين أبوك ؟ قال رسول الله  : حيثما مررت بقبر مشرك فبشِّره بالنّار. قال : فأسلم الأعرابي بعد. قال : لقد كلّفني رسول الله  تعبًا ما مررت بقبر كافر إلاَّ بشّرته بالنار.
    فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أنَّ هذا اللّفظ العام هو الّذي صَدَر منه  ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للامتثال فلم يسعه إلاَّ امتثاله.
    ولو كان الجواب باللّفظ الأوّل لم يكن فيه أمر بشيء البتّة فعلم أن هذا اللّفظ من تصرُّف الرّاوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.
    وقد وقع في «الصحيحين» روايات كثيرة من هذا اللّفظ تصرَّف فيه الرّاوي، وغيره أثبت منه كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعلَّها الإمام الشّافعي بذلك وقال : إن الثّابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الرّاوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ.
    ثم لو فرض اتّفاق الرّواة على اللّفظ الأوّل كان معارضًا بما تقدم من الأدلّة القرآنيّة والأحاديث. والحديث الصّحيح إذا عارضته أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلّة عليه كما هو مقرّر في الأصول.
    ثم قال السّيوطي : وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافدًا إلى رسول الله ، في النّاس خطيبًا فذكر الحديث إلى أن قال: فقلت يا رسول الله : هل أحد ممن قضي منّا في جاهليّة من خير ؟ فقال رجل من عرض قريش : إن أباك المنتفق في النار فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي، مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول : وأبوك يا رسول الله، ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت : وأهلك يا رسول الله ؟ فقال : ((ما أتيت عليه من قبر قرشي أو عامري، فقل: أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوؤك )).
    قال السّيوطي : وهذه رواية لا إشكال فيها وهي أوضح الرّوايات وأبينها.
    وربّما أوّل جماعة رواية : ((أبي وأباك)) بأن المراد عمّه أبو طالب لما كان شائعًا بين قريش قولهم قل لابنك أن يرجع عن شتم آبائنا.
    *********
    وردَّدوا عن أمِّ المصطفى  ما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه  استأذن في الاستغفار لأمّه فلم يُؤذَن له.
    وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : حج بنا رسول الله  حجة الوداع فمرَّ بعقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم فَنَزَل فَمَكث عني طويلاً ثم عاد إليَّ وهو فَرِحٌ مبتسم، فقلت له في ذلك. فقال : ((ذهبت لقبر أمّي فسألت الله أن يحييها فآمنت بي وردّها إليه )).
    أقول: قد تقدّم أنّه لا حاجة إلى الاحتجاج بحديث عائشة عن إسلام أبويه لثبوت إسلامهما بالكتاب والسنة كما تقدّم بيانه في المسلكين السّابقين ونحن إنّما سقنا الحديث هنا لما فيه (إن الزيارة والاستئذان كانا في حجّة الوداع).
    ونعود إلى حديث مسلم في عدم الإذن بالاستغفار لها فمعلوم أنّ الاستغفار ليس مخصوصًا بالمشرك والكافر بل هو شامل للمؤمن والكافر، والطائع، والعاصي، والولي، والنبي، كما قال تعالى : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ]محمد : 19[، وقال تعالى : { وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } ]النصر : 3[.
    ومعلوم أيضًا أن النّهي عن الاستغفار للمشركين وعن القيام على قبر مشرك كان من قبل حجة الوداع التي حصل فيها الاستئذان، كما قال تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } ]التوبة : 113[، وكما قال تعالى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون } ]التوبة : 84[.
    ورسول الله  لا يطلب الأمر الّذي نهى عنه ولا يرتكب ما نهاه عنه ربّه، وهو طلب استئذانه للاستغفار لها واستئذانه لزيارتها إنّما هو لأنّه صحّت طهارتها عن دنس التّلوّث بالشّرك ودليل على إسلامها وعدم موتها على الشّرك وعدم الإذن له في الاستغفار لها لا يدل على أنّ الاستغفار لها غير مقبول أبدًا إذ يجوز أن يُؤذن في وقت ولا يُؤذن في وقت فيؤخّر إلى مجيء الوقت المعيَّن فيستجاب عند مجيئه كما قالت عائشة أنّه  نزل إلى الحجون ثم عاد مسرورًا.
    كما أنَّ عدم الإذن بالاستغفار لها لا يقتضي أنّها من أهل النّار أو يقتضي شركها، لأنّ هذا الاحتمال معارض بما هو أرجح منه وهو ما سبق في المسلكين من أدلّة قرآنيّة وأحاديث على أنَّ كل أصل من أصوله  كان متديّنًا بالملّة الإبراهيميّة استجابةً لدعاء إبراهيم عليه السّلام { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } ]إبراهيم : 35[.
    وأن أولى الناس من ذرّيته من إسماعيل عليه السّلام باستجابة دعائه فيهم هم سلسلة أصوله الشّريفة الّذين دعا أن يبعث الرسول منهم حيث خُصُّوا بالاصطفاء، ونقلِ نور النبوّة إليهم واحدًا بعد واحد، ولما دلّت عليه الأحاديث أن كل أصل من أصوله كان خير أهل قرنه.
    فتعيَّن لهذا تأويل الحديث بأنّه كان يطلب إحياءهما ليتشرّفا بصحبته  بالإيمان به، فلم يؤذن له ؛ لأنّه مأمور بدعوة الأحياء إلى الإيمان لا بدعوة الأموات، أو لأنّه طلب الإذن بالاستغفار من غير وحي إلهي، فلم يؤذن له لأن الأولى به  أن يقف عند وحي ربه أو أن الغاية من طلبه الاستغفار لهما هو الدعاء برفع درجاتهما ولم يكن الوقت قد جاء بعد.
    وما رُوِيَ أنّه  قال : (( ليت شعري ما فعل أبواي ))، فنزلت : { وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } ]البقرة : 119[، فهذا لم يخرج في شيء من كتب الحديث وإنّما ذكر في بعض التّفاسير بسند منقطع، لا يحتج به ولا يُعوَّل عليه.
    والثّابت في «الصحيحين» إنّها نزلت في أبي طالب.
    ثم إنّ هذا السّبب لا يعوَّل عليه أيضًا. وذلك أنّ الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلّها في اليهود ]من[ قوله تعالى { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } ]البقرة : 40[ إلى قوله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ } ]البقرة : 124[، ولهذا اختتمت القصّة بمثل ما صدرت به وهو قوله تعالى : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ]البقرة : 122[، الآيتين. فتبيّن أنَّ المراد بأصحاب الجحيم كفّار مكّة، وقد ورد ذلك مصرَّحًا به في أثر أخرجه عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال : من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وثلاث عشر آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل. إسناده صحيح.
    وممّا يؤكّد ذلك أنّ السّورة مدنيّة وأكثر ما خوطب فيها اليهود ويرشّح ذلك من حيث المناسبة أنّ الجحيم اسم لما عظم من النّار كما هو مقتضى اللّغة والآثار، فاللاَّئق بهذه المنزلة من عَظُم كفره وعانَد عند الدّعوة وبدَّل وحرَّف وجحد بعد علم لا من هو بمظنّة التخفيف.
    وإذا كان قد صحَّ في أبي طالب أنّه أهون أهل النار عذابًا فإن هذا مما يدل على أنّ أبوي النبي  ليسا في النار ؛ لأنّهما لو كانا فيها لكانا أهون عذابًا من أبي طالب ؛ لأنّهما أشد منه قربًا وأبسط عذرًا إذ لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب.
    وما روي من حديث أنّه  استغفر لأمّه فَضَرب جبريل في صدره وقال : لا تستغفر لمن مات مشركًا وأنّه نزل فيها : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } ]التوبة : 113[، فإنّ البزّار أخرجه بسند فيه من لا يعرف، وحديث نزول الآية في ذلك ضعيف أيضًا، والثّابت في «الصّحيحين» أنّها نزلت في أبي طالب وقوله  : ((لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك)).
    وما روي من حديث أنّه  قال لابني مليكه : (( أمّكما في النّار )) فشقَّ عليهما فدعاهما فقال : ((إن أمي مع أمّكما)) فضعَّفه الدّارقطني وحلف الذّهبي يمينًا شرعيًّا بأنَّه ضعيف.
    وغالب ما يُروى عن أمِّ النبي  ضعيف ولم يصح في أمِّ النبي  إلاَّ حديث مسلم عن أبي هريرة، وقد عرفت الجواب عنه، ولم يصح أيضًا في أبيه إلاَّ حديث مسلم أيضًا، وقد تقدّم الجواب عنه أيضًا.
    وأنّه لا دلالة في تلك الأحاديث على وقوع الشّرك من أبويه فكيف على موتهما عليه كما زعم البعض، وقد ثبت أنّهما من الأمّة المسلمة من ذرّيَّة إبراهيم الّذين دعا إبراهيم لهم بالإسلام، ودعا ببعث الرّسول منهم فَقَبِلَ الله دعوته وحفظ مِلَّته إلى بعثه ، بل إلى يوم القيامة ببعثته .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 11:22 am