أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    (( تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال )) لشيخنا العلامة محدث الحرمين / محمد بن علوي المالكي رحمه الله

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    (( تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال )) لشيخنا العلامة محدث الحرمين / محمد بن علوي المالكي رحمه الله

    مُساهمة  حجة الحق في الإثنين يناير 18, 2010 7:02 am

    تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال
    أو (هدايا الأحياء للأموات)

    كتبه الفقير إلى الله تعالى
    السيد/ محمد بن السيد علوي المالكي الحسني
    خادم العلم الشريف بالبلد الحرام

    الفهرس
    قوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )
    تحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية
    إذا مات ابن آدم انقط عمله إلا....
    القراءة على الميت فعل السلف
    أقوال أئمة المذاهب الفقهية
    أقوال الأئمة من فقهاء الأحناف
    أقوال أئمة الفقه المالكي
    ثم ذكر أقوال كبار أئمة الشافعية
    أقوال أئمة الحنابلة وحفاظ مذهبهم
    توثيق النصوص الفقهية من مذاهب العلماء في الموضوع
    توثيق نصوص مذاهب الحنفية
    توثيق نصوص مذهب المالكية :
    توثيق النووي لنصوص الشافعية :
    توثيق نصوص مذهب الحنابلة :
    كلام نفيس للشيخ ابن القيم
    تحقيق الشيخ ابن تيمية في الموضوع
    القراءة عند القبر ليست بدعة
    نصوص فقهية في المسألة
    التلقين
    رأي الشيخ ابن تيمية
    كلام ابن القيم
    الاجتماع للتعزية في بيت الميت
    سورة الفاتحة ويس لأموات المسلمين
    معنى الإختيار والتفضيل
    فضل سورة الفاتحة
    فضل سورة يس
    فضل سورة الملك
    فضل لا إله إلا الله
    الخاتمة
    قصر الأمل وذكر الموت
    معنى تذكر الموت
    معنى كراهية الموت
    المرض نذير الموت
    المحتضر
    النياحة والبكاء
    تمني الموت
    الموت والغسل
    التشييع والدفن

    مقدمة الطبعة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وبعد ..
    فإن مما يقضي منه العجب -وما حييت أراك الدهر عجباً- مما يظهر في الساحات من مدعي السلفية من النهي عن قراءة القرآن إلى روح الأموات.
    وهذا كتاب بين يديك قام بتأليفه فضيلة السيد العلامة الكبير، المحقق الشهير، ناشر العلم في الحرمين الشريفين؛ محمد بن السيد علوي عباس المالكي الحسني المكي حفظه الله، وقد جاء مؤلفاً لم يُسبق إلى مثله، جمع فيه أقوال علماء السلف من الصحابة والتابعين، وفقهاء الإسلام، وحفاظ الشريعة الإسلامية، في مشروعية تلاوة القرآن وأنواع المبرات التي تنفع الأموات، وسماه (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال)، ولقد أتى فيه بالحق المؤيد بالدليل الذي لا يماري فيه إلا متعصب لا يقبل الحق، أما المنصف الذي يطلب الحق ففيه ضالته المنشودة، وطلبته المقصودة، فاشدد به يديك، وعض عليه بناجذيك. فما أحوج الميت إلى الصلة بالمبرات وأنواع الطاعات التي تخفف من أثقاله، وتزيد في صالح أعماله، وقد انقطع عنه عمله إلا ما كان من سعيه، وما وصله به إخوانه وأهله وجيرانه، من دعاء، أو تلاوة قرآن، أو صدقة، أو حج، أو عمرة، فبفضل الله تعالى ينفعه ذلك ويزيد في حسناته ولا ينقص من أجر التالي والمتصدق شيء بفضل الله وكرمه فهو أكرم الأكرمين.
    وقد شهدت موقفاً من مواقف المتعصبين في أحد المساجد بصنعاء، وقد أحدثوا ضجة في المسجد بسبب قراءة (يس) على ميت، ويقولون في حجتهم إن حديث: ((اقرءوا (يس) على موتاكم)) حديث ضعيف لا يجوز العمل به. فأجبتُ عليهم أن الحديث من قسم الحسن كما ذكره جلة العلماء ولسنا بحاجة إلى الاستدلال به، ولنا دليل من أقوى الأدلة، وهو الأصل في جواز تلاوة القرآن -(يس) وغيره- للأحياء والأموات من غير فرق وفي كل زمان ومكان. ومن ادعى منع ذلك فعليه الدليل الصحيح الصريح الذي يصلح مانعاً لدليل الأصل، فتفضلوا بدليل ينهى عن قراءة القرآن على الأموات، وهيهات هيهات لا يوجد ذلك، بل الدليل الصحيح الحث على قراءة القرآن في كل حال إلا حالة الجنابة والحيض والنفاس، وأن ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول ال‍م حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف..)) الحديث بطوله، وبقي لنا الاستدلال بحديث ((إقرؤا (يس) على موتاكم)) استظهاراً وتقوية.
    قالوا: لم يفعله الصحابة، ولا أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    قلت لهم: الترك وعدم العمل لو سلمنا به ليس بدليل، فالدليل هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره، والترك ليس بحجة، كيف وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما تركته فهو عفوٌ)) أي جائز، نص الحديث: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفوٌ، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً)) أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن.
    وروى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وللحديث طرق أخرى. وهذا كما لا يخفى مؤيد لدليل الأصل وهو الجواز.

    ثم نقول: قد أمر صلى الله عليه وآله وسلم قولاً بقوله: ((اقرؤا (يس) على موتاكم)) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده))، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة بسند صحيح، فما المانع من ثبوت هذه الجوائز العظيمة والمغانم الكريمة لمن يتدارسون (يس) أو غيرها بنية الأحياء أو الأموات لإطلاق الحديث، أليس في هذا الكفاية للدلالة على المشروعية مع دليل الأصل؟ هل لديكم ما يعارضه أصح منه أو مثله؟ تفضلوا. فبهتوا وانقطعوا ولم يقتنعوا.
    ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
    وكما ورد في خصوص الموضوع الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه: سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل بقي شيء من البر أبرُّ به أبويَّ بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)) رواه مسلم وأبو داود، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام، وورد في القرآن الكريم: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24]، وقد أثبت هذا المشهد لبيان ضعف حجة المانعين.

    وممن ذهب إلى وصول ثواب القرآن وكل الأعمال الصالحة إلى الأموات أئمة الآل الكرام، وشيعتهم الفخام، وكثير من العلماء المحققين الأعلام، انظر كتاب جمع الشتيت للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله، وتكاد أن تكون المسألة وفاقية بين المحققين -كما ستقف على كلام أئمة المذاهب في هذه الرسالة النفيسة- ولم يظهر الخلاف الكبير والتعصب المقيت إلا في هذا العصر على أيدي المتجاهلين لما ورد في المسألة، والخَطْب يسير والمسألة طاعة لله وعبادة، فمن نهى عنها فهو يأمر بعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام والأقارب بعد الموت، والله تعالى ورسوله يأمران ببرهم أحياء وميتين، وفيه أيضاً نهي عن طاعة الله وعبادته كما ذلك معلوم.
    وجزى الله مؤلف الرسالة خير الجزاء، ونفع بها المؤمنين، وقد أذن فضيلة المؤلف حفظه الله بإعادة طبع الرسالة مرة ثانية كما ترى إذنه بتوقيعه بطبعها لمؤسسة الإمام زيد الثقافية المباركة، فنرجو أن تعاد الطبعة بصورة تسر الناظر وتشوق القارئ المنصف كما هو عادة المؤسسة فيما نشرته من التراث الإسلامي، بارك الله فيها وجزى الله القائمين عليها خير الجزاء آمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
    بتاريخه 1 شهر شوال سنة 1423ه‍
    كتبه/ محمد بن علي بن محمد بن المنصور وفقه الله
    عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
    عضو جميعة علماء اليمن
    صنعاء

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة المؤلف
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فهذه رسالة تحتوي على بحوث علمية مهمة في وصول ثواب القراءة للأموات، وغيرها من الأعمال الصالحات، وما يتعلق بذلك من التلقين والجلوس للعزاء، وسميتها: (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال).
    نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
    اللهم، إنا نسألك العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة، والمال والأهل والبدن.
    اللهم إنا نسألك الرضا، والعفو عما مضى، واللطف فيما جرى به القضا.
    وصلى الله وسلم على خاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    وكتبه الفقير إلى الله تعالى
    السيد/ محمد بن السيد علوي المالكي الحسني
    خادم العلم الشريف بالبلد الحرام

    {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}
    قال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:39].
    هذه الآية الكريمة من النصوص المهمة التي يتمسك بها كثير ممن يجرون وراء ظواهر الألفاظ وعمومات النصوص المطلقة دون مراعاة للأصول والقرائن الأخرى التي تفيد تخصيصاً أو تقييداً للنص، والتي يجب أن لا تفهم النصوص العلمية إلا بها لتدور جميعاً في فلك واحد، وتأتي متناسبة مترابطة في نسق واحد يليق بصاحب الشريعة المحفوظ من التناقض والتعارض، إذ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
    فظاهر هذه الآية يفيد نفي انتفاع الميت بأي شيء بعد موته، لأنه ما أثبت له إلا ما سعى فيه، ومحل سعيه هو الدنيا، لكن هناك نصوصاً أخرى تثبت انتفاعه بغير سعيه كما سيأتي في هذا البحث، ولذلك فإن المحققين من علماء السنة وخصوصاً المنصفين من أئمة السلفية مثل الشيخ ابن تيمية وابن القيم الذين فهموا الآية هذا الفهم الصحيح أثبتوا انتفاع الميت بعمله وعمل غيره، وبينوا معنى الآية والتوفيق بينها وبين النصوص الأخرى الواردة في هذا الموضوع.
    قال العلامة الشيخ فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير: وأما قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} فقد قال ابن عباس: إنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ...} الآية [الطور:21]، وقيل: هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام لأنه وقع حكاية عما في صحفهما لقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}[النجم:36،37]، وقيل: أريد بالإنسان الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى أخوه، وقيل: ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، وقيل: اللام في (الإنسان) بمعنى (على)، كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}[الإسراء:7]، أي عليها، وكقوله تعالى: {لَهُمُ اللَّعْنَةُ}، أي عليهم، وقيل: ليس له إلا سعيه، لكن سعيه قد يكون بمباشرة أسبابه، بتكثير الإخوان، وتحصيل الإيمان، حتى صار ممن تنفعه شفاعة الشافعين، وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) فلا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه وليس فيه شيء مما يستبعد عقلاً لأنه ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر لغيره، والله تعالى هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل. ا ه‍.
    تحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية
    ذكر الشيخ ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية مسألة انتفاع الميت بعمل غيره مما لم يتسبب فيه، ورجح القول به، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليه، ثم قال في الجواب عن الآية التي يتمسك بظاهرها المانعون:
    والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:39]: قد أجاب العلماء بأجوبة، أصحها جوابان:
    أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلٍ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.
    يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.
    الثاني: وهو أقوى منه أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه. وقوله سبحانه وتعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:38،39]، آيتان محكمتان تقتضيان عدل الرب تعالى، فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى. ا ه‍.

    ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))
    ومن النصوص المهمة المتصلة بالآية الكريمة الحديث الصحيح المشهور: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
    وقد شرح هذا الحديث سيدي الوالد الإمام علوي بن عباس المالكي الحسني رحمه الله، فقال: قوله: ((إذا مات ابن آدم ...)) اعلم أن انقطاع ذات العمل بالموت أمر ظاهر، إذ الميت لا يعمل ولا يكلف بعد الموت، وإنما المقصود أن بعض الأعمال تستثمر آثارها حتى بعد الموت فلا ينقطع أجرها بتكرر ذلك. ولذا قال: ((إلا من ثلاث)) أي إلا من خصال ثلاث: ((صدقة جارية)) أي غير منقطعة كحفر بئر، ووقف مصحف، وبناء مسجد ورباط، وقوله: ((أو علم ينتفع به)) يعني به العلم الشرعي: الذي ينتفع به، ويترتب عليه الفوز بالنعيم المقيم والنجاة من العذاب الأبدي. ويدخل في ذلك: تأليف الكتب ووقفها. لأن المراد مطلق الانتفاع: بالمباشرة والتسبب. وقوله: ((أو ولد صالح)) أي مسلم ((يدعو له)): لأنه من كسبه. وقد تفضل الله تعالى بكتابته مثل ثواب سائر الحسنات التي يعملها الأولاد دون آثام السيئات.

    وبما تقرر، علم أنه لا حصر في هذه الخصال الثلاث، لأن مفهوم العدد غير حجة، أو لأنه عليه الصلاة والسلام اطلع على الثلاث ثم أطلعه الله على الزائد فضلاً منه وإحساناً، لما أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه، ونهراً أجراه، وصدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته)).
    فهذا الحديث احتوى على سبع خصال تضم إلى الثلاث الأول: تبلغ عشراً. وقد زاد السيوطي عليها واحدة أيضاً. وقد نظم ذلك بقوله:
    إذا مات ابن آدم ليس يجري ...عليه ـ من خصال ـ غيرُ عشر
    علومٌ بثها، ودعاءُ نجل ...وغرسُ النخل، والصدقاتُ تجري
    وراثةُ مصحف، ورباطُ ثغر ...وحفرُ البئر، أو إجراءُ نهر
    وبيتُ للغريب بناه يأوي ... إليه، أو بناءُ محل ذكر
    وتعليمٌ لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر
    تخريج ما ورد في هذه الأبيات:
    أما قوله: (علوم بثها، ودعاء نجل، والصدقات تجري) فهذه جاءت مجموعة في الحديث الصحيح المشهور: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
    وأما قوله: (غرس النخل، وحفر بئر) فقد جاء ذكرهما في حديث أنس مرفوعاً: ((سبع يجري أجرهما للعبد بعد موته وهو في قبره ـ وذكر منها حفر البئر أو غرس النخل)) رواه أبو نعيم في الحلية.
    وأما قوله: (محل ذكر) فهو المسجد، وقد تقدم ذكره في حديث ((إن مما يلحق المؤمن ..)) الحديث.

    قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية:
    وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله)) فاستدلال ساقط، فإنه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفّى به الدَّين. ا ه‍..
    القراءة على الميت وفعل السلف
    وربما يقول متنطع ممن يتشبث بأذيال العدم لرد كل مسألة وإنكار كل جديد بقوله: لم يفعله السلف ولم يثبت عنهم، ربما يقول هذا: إن القراءة على الميت لم يفعلها السلف، فنقول له:
    أولاً: هذه الدعوى غير صحيحة، لأن القراءة على الأموات صحت عن ابن عمر، وحكاها الشعبي عن الأنصار، وثبتت عن الإمام أحمد، وهو من كبار أئمة السلف. وفي نفح الطيب في فوائد المقري الكبير أنه أنشد شيخه الآبلي قول ابن الرومي المشهور:
    أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه
    وبكحله الأحياء والبصراء
    فإذا مررت رأيت من عميانه
    أمماً على أمواته قراء
    فاستفاد منه قدم القراءة على الأموات.
    ثانياً: لو سلم عدم فعل السلف لها لا يلزم منه المنع الخاص المدعى، فعدم فعلهم لها ليس بدليل، وليس كل شيء من مسائل الفروع لم يفعله السلف يكون محظوراً، ومن ادّعى ذلك فعليه الدليل ولا سبيل له إليه.

    ثالثاً: قد ثبت في الحديث الصحيح ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه))، وثبت أيضاً تعذيب الأموات في قبورهم كقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}[غافر:46]، وكحديث وضعه عليه السلام الجريدتين على قبرين وأخبر: ((أنه يخفف عنهما ما دامتا رطبتين)) أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، وأخرج البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به))، ووردت أحاديث كثيرة بخصال غير هذه الثلاثة، يلحق ثوابها الإنسان بعد موته، تتّبعها الحافظ السيوطي فبلغت إحدى عشرة خصلة، ونظمها في الأبيات السابقة.
    وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى))، وكون الأموات يعذبون في قبورهم ويتألمون من سوء أعمال أقربائهم الأحياء، وينتفعون بما يسديه الأحياء إليهم شيء لا يأتي عليه الحصر من الأحاديث والآثار عن السلف، ذكر بعضاً من ذلك ابن كثير في تفسير سورة الروم عند قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى}[الروم:52].
    رابعاً: القراءة على الأموات أمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان وصححه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((اقرءوا (يس) على موتاكم))، قال النووي رحمه الله في كتابه (الأذكار) ما نصه: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً اه‍.

    (قلت): فسكوت الإمام أبي داود عن تضعيفه يدل على أنه صالح وأنه لا يبعد عن درجة الحسن لغيره، وأقل ما يقال فيه أنه نافع للعمل به، دافع لاعتراض المعترض أو إنكار المنكر لذلك العمل. خصوصاً وأنه قد جرى عليه عمل الفقهاء في كثير من الأمصار سلفاً وخلفاً واشتهر بين الناس ـ كما قرر ذلك الشيخ ابن القيم في كتاب الروح كما سيأتي ـ وغيره من أئمة السلف.
    والحديث الضعيف ـ إذا جرى عليه العمل ـ تقوّى، وانتهض، وصار له مزية على غيره، ويستأنس به أهل الاعتبار والنظر، ويفرحون للعمل به، ويعتبرون ذلك داخلاً في دائرة السنة النبوية، ولا يبادرون إلى الإنكار أو الحكم بالبدعة والضلالة والمخالفة.
    وشواهد هذا كثيرة في كتب السنة المشرفة. وممن يعتني به الإمام الحافظ الترمذي، فإنه في كتابه السنن كثيراً ما ينقل أحاديث ويحكم عليها بالضعف ثم يقول بعد ذلك: (وقد عمل قوم من أهل العلم بهذا الحديث) كما قال في حديث أبي سعيد في دعاء الاستفتاح [أبواب الصلاة/ باب ما يقول عند افتتاح الصلاة] ج1 ص276، وكما قال في حديث علي في ميراث الإخوة من الأم وهو ضعيف: (والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم) كتاب الفرائض/ باب ما جاء في ميراث الإخوة ج4 ص30، وكما قال في حديث تميم الداري في ميراث المشرك الذي يسلم على يد رجل من المسلمين ـ إنه أولى: (فالحديث فيه ضعف ولكن العمل عليه عند بعض أهل العلم) ج4 ص38، وكما قال في حديث أنس بن مالك في الصلاة على الدابة في ماء وطين وهو ضعيف: (والعمل على هذا عند أهل العلم) أبواب الصلاة/ باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر ج1 ص421. وكما قال في حديث أبي هريرة في قضاء صلاة ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس. وهو ضعيف: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم) أبواب الصلاة/ باب ما جاء في إعادتها بعد طلوع الشمس ج1 ص433.
    والحاصل أن هذا الحديث صالح للعمل به ومقبول في هذا الباب.

    وقال الإمام أحمد في المسند أيضاً: حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان -يعني ابن عمرو- حدثني المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالى حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم أحد يقرأ (يس)؟ قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني، فلما بلغ أربعين قبض، قال: فكانوا يقولون: إذا قرئت ـ يعني (يس) ـ على ميت خفف عنه بها.
    وأسند صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدرداء بلفظ: ((ما من ميت تقرأ عنده (يس) إلا هون الله عزّوجلّ عليه))، قال محب الدين الطبري: المراد الميت الذي فارقته روحه، وحمله على المحتضر قول بلا دليل. اه‍.
    وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً واستخرجت {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} من تحت العرش فوصلت بها، و(يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم)). اه‍.
    أقوال أئمة المذاهب الفقهية
    وقد عقد العلامة الفقيه الحنبلي الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله فصلاً خاصاً في كتابه (غاية المقصود) جمع فيه أقوال العلماء من كل مذهب في إثبات وصول الثواب إلى الأموات من أي عمل صالح يقوم به الحي ويهب ثوابه إلى الأموات، كالحج، والصدقة، والأضحية، والعمرة، وقراءة القرآن، ولا شك أنه يدخل فيه الأذكار من تهليل، وتكبير، وصلاة وسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي كلها أعمال صالحة يثاب عليها العامل بها، وإذا وهب ثوابها للميت تقبل الله منه ذلك وأوصله إليه، وإذا وصل إليه انتفع به بفضل الله وكرمه وإحسانه.
    فنقل الشيخ ابن حميد أقوال الأئمة من فقهاء الأحناف، مثل الشيخ برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، في كتابه: (الهداية) في باب الحج عن الغير.

    والشيخ شمس الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، في كتابه (نفحات النسمات في وصول إهداء الثواب للأموات).
    والبدر العيني، في باب الحج عن الغير، من شرح الكنز.
    وابن عابدين، في رد المحتار على الدر المختار.
    وصاحب الفتاوي الهندية، في الفتاوي الهندية، الباب الرابع عشر، في الحج عن الغير.
    وصاحب الهداية، في بيان أحكام الحج عن الغير.
    والشيخ علي قاري، في شرح المنسك المتوسط.
    ونقل أقوال أئمة الفقه المالكي وحفاظ المذهب في الموضوع مثل:
    الإمام ابن رشد، في نوازله.
    والعلامة الشهاب القرافي، في الفرق الثاني والسبعين والمائة.
    وابن الحاج، في الجزء الأول من المدخل.
    والشيخ أبو زيد الفاسي، في باب الحج عن الغير.
    والحطاب، في شرحه على خليل.
    ثم ذكر أقوال كبار أئمة الشافعية مثل:
    العلامة الشربيني، في كتابه السراج المنير.
    والنووي، في روضة الطالبين، وشرح مسلم.
    والسيوطي، والسبكي، وابن الصلاح، في الفتاوى، والشيخ أبو المعالي على ابن أبي السعود الشهير بالسويدي، في كتابه (العقد الثمين في بيان مسائل الدين). وابن النحوي، في المنهاج. وشيخ الإسلام أبو عبد الله القاياتي، في الروضة.
    ثم ذكر أقوال أئمة الحنابلة وحفاظ مذهبهم.
    وبدأه بقول الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاة أو غيره، ثم ذكر كلام الموفق ابن قدامة، في المغني، وهو طويل ونفيس.
    ثم قال في العدة شرح العمدة: وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير، وقد صح الحديث: أن الميت ليعذب ببكاء أهله، والله سبحانه أكرم من أن يوصل إليه العقوبة ويحجب عنه المثوبة.
    قلت: ويدل على هذا أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل))، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى.

    توثيق النصوص الفقهية من مذاهب العلماء في الموضوع
    1) توثيق نصوص مذهب الحنفية
    قال الإمام العلامة المرغيناني في أول باب الحج عن الغير من هدايته ما نصه: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله وشهد له بالبلاغ)). اه‍.
    وقد كتب عليه المحقق الكمال بن الهمام في فتح القدير كتابة مطنبة جيّدة، ملخصها أن المعتزلة خالفوا في كل العبادات ـ أي منعوا وصول ثوابها للغير ـ وذكر شبهتهم، وأجاب عنها، وساق آثاراً كثيرة دالة على الجواز، ثم قال ما نصه: فهذه الآثار وما قبلها، وما في السنة أيضاً من نحوها عن كثير، قد تركناه لحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل ـ وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات لغيره نفعه الله به ـ مبلغ التواتر. اه‍.
    وقال العلامة عثمان بن علي الزيلعي الحنفي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير أيضاً ما نصه: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة، صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقةً أو قراءة قرآن أو الأذكار، إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه.

    وقال العلامة الشيخ زين الدين المعروف بابن نجيم والمشهور بأبي حنيفة الثاني ومحرر المذهب في البحر الرائق في باب الحج عن الغير: لما كان الحج عن الغير كالتبع آخره، والأصل فيه أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو قراءة القرآن أو ذكراً أو طوافاً أو حجاً أو عمرة أو غير ذلك عند أصحابنا للكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24]، وإخباره تعالى عن ملائكته بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}، وساق عبارتهم بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ}[غافر:7]، إلى قوله: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ}.
    وأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين، ثم ذكر الأحاديث الواردة في الموضوع.
    وجزم البدر العيني في باب الحج عن الغير أيضاً من شرح الكنز، بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكر إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، وكل ذلك يصل إلى الميت عند أهل السنة والجماعة. اه‍.
    وللعلامة سعد الدين الديري المتوفى سنة 867ه‍: (الكواكب النيرات في وصول ثواب الطاعات إلى الأموات) اقتفى فيه أثر السروجي مع زيادات عليه كثيرة.اه‍.
    2) توثيق نصوص مذهب المالكية
    قال الإمام القاضي أبو الفضل عياض في شرحه على صحيح مسلم في حديث الجريدتين عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين)) ما نصه: أخذ العلماء من هذا استحباب قراءة القرآن على الميت لأنه إذا خفف عنه بتسبيح الجريدتين وهما جماد فقراءة القرآن أولى.

    وقال العلامة الشهاب القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة ما ملخصه: مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أن القراءة يحصل ثوابها للميت، وإذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع، والذي يتجه أن يقال ما لا يقع فيه خلاف: أنه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابه، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، والذي ينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي، وإنما هو في أمر واقع، هل هو كذلك أم لا. وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس بعمله اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله بكل سبب ممكن، ومن الله الجود والإحسان هذا هو اللائق بالعبد.
    وقال الشيخ ابن الحاج في الجزء الأول من المدخل ما نصه: لو قرأ في بيته وأهدى إليه لوصلت، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له، أو قال: اللهم اجعل ثوابها له. فإن ذلك دعاء بالثواب لأن يصل إلى أخيه والدعاء يصل بلا خلاف. اه‍.
    ونقل الشيخ أبو زيد الفاسي في باب الحج عن الغير في جواب له ما نصه: الميت ينتفع بقراءة القرآن، وهذا هو الصحيح، والخلاف فيه مشهور، والأجرة عليه جائزة. والله أعلم، نقله عنه الفقيه كنون الفاسي محشي عبد الباقي.
    وفي آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك، وحصل للميت أجره. ا ه‍.
    وقال ابن هلال في نوازله: الذي أفتى به ابن رشد، وذهب إليه غير واحد من أئمتنا بالأندلس أن الميت ينتفع بقراءة القرآن، ويصل إليه نفعه، ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغرباً، ووقفوا على ذلك أوقافاً، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة. اه‍.

    ونقل العلامة الحافظ الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في تفسيره (الجواهر الحسان) عند قوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24] عن الحافظ العلامة عبد الحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة) ما نصه: واعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر، لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه فضيعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به)) فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به، وكذا أمره عليه الصلاة والسلام بالسلام على أهل القبور، والدعاء لهم، وما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم، والله أعلم.
    وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها)) والأخبار في هذا الباب كثيرة. اه‍.
    ثم قال الثعالبي: قلت: وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه قال: ((كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء)) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: قد رويناه بإسناد جيد، ثم أسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله ليرفع العبد الدرجة فيقول: أي ربِّ أنى لي هذه الدرجة؟ فيقال: باستغفار ابنك لك)). اه‍ من التمهيد.

    وروينا في سنن أبي داود أن رجلاً من بني سلمة قال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)). اه‍.
    3) توثيق النووي لنصوص الشافعية
    قال الإمام النووي: ويستحب للزائر ـ يعني زائر القبور ـ أن يسلم على المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء مما ثبت في الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقبها. نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب.
    4) توثيق نصوص مذهب الحنابلة
    قال الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة الحنبلي:

    (فصل) وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله. أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة. وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}[الحشر:10]، وقال الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[محمد:19]، ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم))، رواه أبو داود، وروي ذلك عن سعد بن عبادة، وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته)) قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يقضى))، وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((نعم)) وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب، لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ (يس) وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءته.

    وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمرو بن العاص: ((لو كان أبوك مسلماً فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك)) وهذا عام في حج التطوع وغيره، ولأنه عمل وبر وطاعة، فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب، وقال الشافعي: ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له))، ولأن نفعه لا يتعداه فاعله فلا يتعدى ثوابه. وقال بعضهم: إذا قرئ القرآن عند الميت أو أهدي إليه ثوابه كان الثواب لقارئه ويكون الميت كأنه حاضرها وترجى له الرحمة.
    ولنا ما ذكرناه وأنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه، ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به فإنما دل على انقطاع عمله، فلا دلالة فيه عليه، ثم لو دل عليه كان مخصوصاً بما سلموه، وفي معناه ما منعوه، فيتخصص به أيضاً بالقياس عليه، وما ذكروه من المعنى غير صحيح، فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع، ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحج وليس له أصل يعتبر به. والله أعلم.

    قال الإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي في كتابه الفروع: كل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها للمسلم نفعه ذلك وحصل له الثواب، كالدعاء والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع، وكذا العتق، ذكره القاضي وأصحابه أصلاً، وذكره أبو المعالي، وشيخنا، وصاحب المحرر، وكذا حج التطوع. وفي المجرد: من حج نفلاً عن غيره وقع عمن حج لعدم إذنه، وكذا القراءة والصلاة والصيام، نقل الكمال في الرجل يعمل شيئاً من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك ويجعل نصفه لأبيه أو أمه: أرجو، وقال: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاة أو غيره.
    وقال الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح في كتابه المبدع: (وأي قربة فعلها) من دعاء واستغفار وصلاة وصوم وحج وقراءة وغير ذلك (وجعل ثواب ذلك للميت المسلم نفعه ذلك).
    قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعاً وكالدعاء والاستغفار، حتى لو أهداها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز ووصل إليه الثواب، ذكره المجد.
    وقال الإمام أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي في كتابه الإنصاف: قوله: (وأي قربة فَعَلها وجعلها للميت المسلم نفعه ذلك)، وهو المذهب مطلقاً، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم وهو من المفردات، وقال القاضي في المجرد: من حج نفلاً عن غيره وقع عمن حج لعدم إذنه.
    وقال شيخ الإسلام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي: وسن ما يخفف عنه ولو بجعل جريدة رطبة في القبر وذكر وقراءة عنده وكل قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت حصل له ولو جعله الجاعل وإهداء القرب مستحب.
    وقال العلامة الشيخ منصور البهوتي: وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت جاز ونفعه، وذكر جملة من الأعمال منها القراءة.

    كلام نفيس للشيخ ابن القيم
    قال الشيخ ابن القيم: والقائل: إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك، قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه؟ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما وأن التلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم، وسر ذلك أن الثواب ملك للعامل فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه .... قال: وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك من السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولم يكن أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت ـ بل ولا ثواب هذه الصدقة أو الصوم، ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر، ولم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. اه‍.

    الخلاصة
    قال شيخنا الإمام العلامة محمد العربي التباني المكي: وقد تحقق وتلخص من كلام العلماء أن أربعة يصل ثوابها للميت بالإجماع. وهي: الصدقة، والدعاء، والاستغفار، وأداء الواجبات التي تقبل النية كأداء الدين عنه، وأن الصوم يصح عنه ويصله ثوابه عند الإمام الشافعي في القديم وأبي ثور والمحققين من المحدثين، لعموم حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من مات وعليه صوم، صام عنه وليه)) وتحقق أيضاً أن القراءة على الأموات فعلها السلف الصالح كما هو مستفاد من كلام ابن قدامة وابن القيم وغيرهما من المنقول عن الأئمة الأقدمين من أهل الأثر كالخلال وغيره، وأن عمل المسلمين شرقاً وغرباً لم يزل مستمراً عليها، وأنهم وقفوا على ذلك أوقافاً كما في فتوى الإمام ابن رشد المالكي، وكلام السيوطي الشافعي المنقول عن ابن عبد الواحد المقدسي الحنبلي وعن غيره، وكلام ابن قدامة في مغنيه، وابن القيم في كتابه الروح، بل صرح ابن قدامة وابن عبد الواحد المقدسي فيما نقله عنه السيوطي بإجماع المسلمين فيها، وخصها الثاني منهما بتأليف، كما ألف فيها السروجي وسعد الدين الديري الحنفيان وغيرهما، وقال ابن القيم: وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء، ونسب وصولها لجمهور السلف، والإمام أحمد، وعدمه إلى أهل البدع من أهل الكلام، وكذلك السيوطي وجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول، والعلامة المرغيناني الحنفي قال: للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، وكذلك قال البدر العيني الحنفي: يصل إلى الميت جميع أنواع البر من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكر إلى غير ذلك، والآثار الدالة على جواز انتفاع الشخص بعمل الغير كثيرة، قال العلامة المحقق الكمال بن الهمام: يبلغ القدر المشترك بين الكل ـ وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات

    لغيره نفعه الله به ـ مبلغ التواتر.
    وقال الحافظ السيوطي: واستدلوا (أي الجمهور) على الوصول بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق، وبالأحاديث الآتي ذكرها (ذكرها في شرح الصدور عن الخلال وغيره) قال: وهي وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً، وبأن المسلمين ما زالوا في كل عصر يجتمعون ويقرءون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعاً. اه‍.
    وأما قول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} فلا حجة فيها للمانع لأنها مخصصة بأدلة الكتاب والسنة الكثيرة الدالة على انتفاع الشخص بعمل غيره، أو محمولة على ما لا يهبه العامل له، وقد سئل عنها وعن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}[البقرة:261] الإمام الحسين بن الفضل رحمه الله فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله تعالى.
    تحقيق الشيخ ابن تيمية في الموضوع
    قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة:
    (أحدها) أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير.
    (ثانيها) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بعمل الغير.
    (ثالثها) أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير.
    (رابعها) أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك انتفاع بعمل الغير.
    (خامسها) أن الله تعالى يخرج من النار من لم يفعل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم.
    (سادسها) أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.
    (سابعها) قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}[الكهف:82]، فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما.

    (ثامنها) أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير.
    (تاسعها) أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير.
    (عاشرها) أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير.
    (حادي عشرها) أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب انتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير.
    (ثاني عشرها) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن صلى وحده: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه)) فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير.
    (ثالث عشرها) أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير.
    (رابع عشرها) أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير.
    (خامس عشرها) أن الجار الصالح، به ينتفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير.
    (سادس عشرها) أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل الحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره.
    (سابع عشرها) في الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.
    (ثامن عشرها) أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثر العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض.
    (تاسع عشرها) أن الله تعالى قال لنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}[الأنفال:33]، {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ}[الفتح:25]، {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}[البقرة:251]، فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير.

    (عشرونها) أن صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له.
    (حادي عشرينها) أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له.
    ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تُؤول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والمراد بالإنسان العموم. اه‍.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 3:16 pm