أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    الاختلاف بين الامامين الأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى

    شاطر
    avatar
    خادم السنة
    Admin

    عدد المساهمات : 163
    تاريخ التسجيل : 01/08/2009

    الاختلاف بين الامامين الأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى

    مُساهمة  خادم السنة في الإثنين مايو 17, 2010 6:43 am

    المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى من تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد،،،
    فهذه الرسالة من تأليفات الإمام العالم ابن كمال باشا (873-940هـ) وهو من علماء الدولة العثمانية المشهورين، كان معاصراً للإمام السيوطي، واشتهروا الاثنان في ذلك العصر بالإحاطة بمختلف العلوم .
    ولاختصار الرسالة، أحببت أن يكون الشرح مناسباً لها، بحيث إذا قرأها الطالب المبتدئ في هذا العلم حصّل مقاصدها .
    أقول:
    أهل السنة هو اسم لجماعة المسلمين، وهم الطائفة الذين أحسنوا فهم الشريعة، وتمكنوا من حقيقة أصولها، ولم يقطعوا إلا بما قطع به الشرع في المنقولات، ولم يجزموا إلا بما لا تتردد به العقول في باب المعقولات.
    ويتميز أهل السنة عن غيرهم أهم ما يتميزون بعلم التوحيد، وهو علم الكلام وعلم أصول الدين، نعم إن علوم الفقه أيضا تجمعهم والتفسير وغيرها من العلوم، ولكن قد يشاركهم في نظرهم وعلومهم في هذه العلوم غيرهم، ويبقى تميزهم في علم التوحيد هو الأصل.
    وبعض العلماء يدرجون علم أصول الفقه كمميز لأهل السنة بالإضافة إلى علم التوحيد، وهذا الأمر ليس ببعيد بل أراه لازماً محققاً خاصة إذا عرفنا أن كثيراً من علم الأصول ينبني على علم التوحيد، وإذا علمنا أن محققي العلماء اعتبروا أصول مسائل علم أصول الفقه مسائل كلامية عقائدية كحجية الكتاب والسنة والإجماع، بغض النظر عن تفريعاتها التي هي مسائل أصولية. ولا يخفى على القارئ دقة هذا النظر والتحقيق.
    وأكثر ما يرجع إليه تميز علماء أهل السنة في العلوم الأخرى كالتفسير والفقه والحديث وغيرها مما يؤول أخيراً إلى هذين العلمين الجليلين، خلا مسائل منثورة يثبت أنها من الدين قطعاً، ترجع من جهة من الجهات إلى الأصول وإن توهم كونها فرعية أو تفسيرية محضة.
    وأما الأصول التي يتميز بها أهل السنة في علم التوحيد عن غيرهم من الفرق الإسلامية فهي أصول جليلة، منها ما يرجع إلى نفس المسائل. فما يرجع إلى الطريقة والمنهج جمعهم بين العقل والنقل، وعدم تسرعهم بالقطع في ما لا يقطع فيه، سواء كان عقلياً أم نقلياً، فلم يدعوا أن بعض النقليات قطعية صريحة وهي ليست كذلك كما فعل الشيعة الأمامية في النص على الإمام وبالغوا في ذلك حتى جعلوه أصلاً من أصول الدين، ولا كما فعل المجسمة والكلامية حين مشوا على ظواهر نصوص، فشبهوا الله تعالى بخلقه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولم يدعوا أن بعض العقليات قطعية أساسية وهي ليست كذلك كما فعل المعتزلة حين مشوا على ظواهر الحسن فادعوا أن الإنسان يخلق فعله، وأن فعله من جنس فعل الله بحيث يتصور التدافع بينهما، وحين قالوا إن الحسن والقبح ثابتان في نفس الأمر، وأن أفعال الله تابعة لذلك .
    وجزم أهل السنة أيضاً بالتنزيه لله تعالى في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فخالفوا المجسمة عندما شبهوا الله تعالى من حيث الذات بالمخلوقات، فأثبتت المجسمة لله حداً وجهه وحلول الحوادث في ذاته، ونفى أهل السنة ذلك كله كما نفوا التركيب عن ذات الله تعالى. (وقالت أهل السنة المعتزلة) في أفعال الله تعالى وصفاته، حيث أثبت المعتزلة خلق الأفعال. وخالفهم أهل السنة لأن أفعال الله خلقٌ لا من شيء، وأفعال الإنسان تصرفٌ فيما خلق الله بالكسب، بالقدرة التي خلقها الله فيهم. فهم لا يقولون بكون الإنسان مضطراً كما لا يساوون بأية حقيقة فعل الله وهو الخلق لا من شيء، وبين حقيقة فعل الإنسان الذي هو كسب لشيء. ففعل الإنسان قائم به، وفعل الله غير قائم بذاته، وفعل الإنسان يزيده نقصاً أو كمالاً، ولكن الله تعالى لا يتكمل بأفعاله... وهذا أصل عظيم راجع إلى تنزيه الله تعالى في صفاته وأفعاله.
    ولذلك فإننا نقول إن الذين شبهوا الله تعالى في ذاته، كالمجسمة فإنهم غالبا يشبهون في صفاته وأفعاله بالمخلوقات، وأما المعتزلة فلم يشبهوا بالذات، بل شبهوه بالصفات فنفوها وبالأفعال فأثبتوا الوجوب والصلاح أو الأصلح، وخلق الأفعال ومشابهة فعل الإنسان لفعل الله في الجنس. ولذلك فهم مشبهة في الأفعال كما كان المجسمة مشبهة لله في الذات والصفات فأثبتوها على وفق ما هو في الشاهد وغايروا بينها وبين ذرات المخلوقين في الشكل والصورة.
    فهذه أصول مهمة يتميز بها أهل السنة عن غيرهم من الفرق، أحببت أن ألفت النظر إليها قبل الشروع في شرح هذه الرسالة اللطيفة كالتوطئة، ولتكون قواعد يستحضرها القارئ الهمام أثناء فهمه لبقية المسائل.




    المسألة الأولى:
    قال الماتريدي: التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كجميع صفاته، وهو غير المكوّن، ويتعلق بالمكوّن من العالم وكل جزء منه وقت وجوده، كما أنه إرادة الله أزلية تتعلق بالمرادات بوقت وجودها وكذا قدرته تعالى الأزلية مع مقدراتها.
    وقال الأشعري: إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية. والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد ويتعلق وجود العالم بخطاب كُنْ.

    وحاصل هذه المسألة عند الإمام الماتريدي هو أن الله تعالى يتصف بصفات ثلاث، القدرة والإرادة والتكوين، وأن كل صفة من هذه الصفات لها تعلق بالممكنات، فالإرادة تعلقها قديم بالمرادات، وهي تخصص المرادات بوقت وجودها، وكذلك القدرة فلها تعلق قديم بالمقدورات، وحقيقة تعلق القدرة عند الإمام الماتريدي ليس هو عين الإيجاد والإعدام، وإلا لم يكن قديماً، بل تعلقها بالمقدورات معناه تصحيح اختراع هذه المقدورات، أي أن كون الله قادراً معناه أن الله يصح أن يخلق هذه الممكنات لا من شيء، والمصحح لهذا الحكم الثابت لله جل شأنه هو صفة القدرة أو اتصافه جل شأنه بالقدرة.
    وأما التكوين فهي صفة معنى كالقدرة والإرادة، ولها تعلق بما يكوّنه الله تعالى أي بما يوجده، وهذا التعلق لا يكون إلا حادثاً وقت تكوين وخلق الموجودات.
    ومن هذا تعلم أن التكوين صفة أزلية قائمة بالله ولها تعلق تنجيزي حادث بالمكوّنات وقت حدوثها أي وقت حدوث المكوّنات والموجودات المخلوقة.
    ولذلك يقول العلماء التكوين غير المكوّن، لأن التكوين هو الصفة القديمة، والمكوّن هو المخلوق الحادث.
    وأما حاصل المسألة على مذهب الإمام الأشعري فهي:
    إن الله يتصف بالإرادة الأزلية، ولها تعلقات كما يقول الماتريدي، فلا تخالف صفة الإرادة.
    وأما القدرة على مذهب الأشعري، فهي صفة أزلية أيضاً، وإلى هذا الحدّ لا خلاف مع الماتريدي، ولكن الأشعري يقول: إن للقدرة تعليقين الأول تعلق صلوحي قديم، يلزم عنه صحة الحكم بأن الله يصح أن يخلق ويوجد لا من شيء جميع المخلوقات، والتعلق الثاني تنجيزي حادثُ يتعلق بالمخلوق الحادث عند حدوثه. فالإيجاد والإعدام بالفعل من أحكام القدرة عند الإمام الأشعري، وهما من أحكام التكوين عند الماتريدي.
    وأما التكوين عند الأشعري فهو تعلق القدرة التنجيزي بالمقدورات، إن كان أثره كوناً عاماً أي وجوداً، فيُسمّى نفس التعلق تكويناً، وإن كان أثر التعلق رِزقاً، يُسمى نفس التعلق ترزيقاً، وإن كان أثر التعلق وجود حياةٍ، فيسمى إحياءً، وإن كان إيجاد موتٍ فيُسمى التعلق إماتةً.
    فالتكوين إذن عند الأشعري هو وصف لنفس تعلق القدرة التنجيزي بملاحظة أثره. والتكوين عند الماتريدي هو نفس الصفة الأزلية الصادر عنها المكوّن والمخلوق... الخ.
    ولذلك فالتكوين عند الأشعري وصفٌ حادثٌ لله تعالى، وهو ليس أمراً وجودياً قائماً بالله تعالى، بل نسبة إضافية بين المخلوق وبين الله تعالى من حيث هو خالقٌ. ولذلك فالتكوين عند الأشعري من صفات الأفعال، بل هو من أوصاف الأفعال .
    ومن الظاهر أن هذا الخلاف ليس أصلياً، لأن الاتفاق فصل بينهم على ثبوت هذين النوعين من التعلقات، ولو قال واحدٌ إن الله لا يصح أن يخلق بعض الممكنات لكان خلافاً أصلياً، ولو قال واحدٌ إن الله لم يخلق بالفعل بعض الممكنات وقال غيره بل خلق بالفعل كل الممكنات لكان خلافاً أصلياً. ولكن حقيقة الخلاف بين الإمامين ليست في شيء من ذلك.
    والجهة الوحيدة التي يتحقق فيها الخلاف، هي هل يثبت لله صفة زائدة على القدرة اسمها التكوين أم لا، ومعلوم أن الأصل المتفق عليه عندهما هو أن كمالات الله لا تتناهى، فإثبات صفة كمال لا تؤدي إلى نقص لا ينتقص هذا الأصل. بخلاف ما لو أثبت واحدٌ صفة تستلزم التشبيه كالجارحة والحدِّ، فإن الخلاف يصير أصلياً عند ذاك.

    المسألة الثانية:
    قال الماتريدي: كلام الله تعالى ليس بمسموع وإنما المسموع الدّالُّ عليه.
    ونقل القاضي الباقلاني عن الأشعري : كلام الله غير مسموع على العادة الجارية، ولكن يجوز أن يُسْمع الله تعالى من شاء من خلقه على خلاف قياس العادة من غير واسطة الحروف والصوت.
    وقال أبو إسحاق الإسفراييني ومن تبعه: إن كلام الله تعالى غير مسموع أصلاً، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي .
    أقول:
    اتفق الإمام الأشعري مع الماتريدي على أن الله تعالى يتصف بصفة نفسية هي الكلام.
    وأما الخلاف في كون الكلام مسموعاً أو غير مسموع، فهو ليس في نفس الكلام بل في نسبة أمر له تعلق بالمخلوقات إليه، وهو كونهم يسمعونه أم لا.
    وعندي أن الخلاف بينهما يؤول إلى خلاف لفظي في هذه المسألة.
    فمعنى سماع كلام الله تعالى، عند الأشعري أن الله تعالى يخلق إدراكاً في الحاسة أو في النفس مما يخلق عادة في الحاسة، وهذا الإدراك يدل على كلام الله تعالى ولا يشترط سبق هذا الخلق بالأسباب العادية كالأصوات أم لا.
    ومعنى السماع عند الماتريدي هو اتصال الصوت مثلاً بالحاسة وكون هذا الصوت دالاً على الكلام القديم.
    ولذلك فكلام الله عند الأشعري مسموع بهذا المعنى .

    المسألة الثالثة:
    قال الماتريدي: صانع العالم موصوفٌ بالحكمة سواءٌ كانت الحكمة، بمعنى العلم أو بمعنى الإحكام.
    وقال الأشعري: إن كانت الحكمة بمعنى العلم فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، وإن كانت بمعنى الإحكام فهي صفة حادثةٌ من قبيل التكوين، لا يوصف ذات الباري بها.
    أقول:
    الحكمة جعل الشيء في موضعه اللائق والمناسب. ولا شكّ أن الله تعالى حكيم، ولا شك أن الحكمة لها علاقة بالعلم من جهة وبالفعل المتقن من جهة أخرى .
    فالإمام الماتريدي أطلق القول بأن الله تعالى موصوف بالحكمة، وأن الحكمة وصف على ذات الله تعالى، وهو إما أن يكون راجعاً إلى العلم بالأفعال المتقنة، أو يكون راجعاً إلى صفة التكوين القديمة التي يثبتها الماتريدي، بمعنى أن الإحكام في الأفعال من لوازم التكوين، والتكوين قديم، واللازم لا ينفك عن الملزوم، فالوصف بالحكمة قديم.
    فالحكمة من صفات الأفعال عند الإمام الأشعري وليست راجعة إلى نفس الذات ولا إلى صفة قديمة، بل هي وصف للتعلقات الحادثة للقدرة القديمة القائمة بالذات. والأوصاف التي للأفعال ليست صفات لله تعالى لأن الحكمة ترجع إلى صفات للأفعال بأنها متقنة مُحكمةٌ، وهذا الأمر ليس معنى قائماً بالله بل بالأفعال، وإن كان منشأه الله تعالى من حيث هو قادرٌ عالمٌ.




    المسألة الرابعة:
    قال الماتريدي: إن الله تعالى يريد بجميع الكائنات جوهراً أو عرضاً طاعة أو معصية، إلا أن الطاعة تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره ورضائه ومحبته وأمره، وأن المعصية تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره لا برضائه ومحبته وأمره.
    وقال الأشعري: إنّ رضاء الله تعالى ومحبته شامل لجميع الكائنات كإرادته.
    وبناءً على هذا، فإن الماتريدي يقول: إن إرادة الله تعالى متعلقة بالجواهر والأعراض جميعها، وهذا هو الأصل الذي ذكرناه سابقاً، وهو محل اتفاق بين الماتريدي والأشعري، ثم يقول الماتريدي وهذا التعلق صحيح سواء كانت الأعراض طاعة أم معصية، أي سواء وضعت وحكم عليها بأنها طاعة أو معصية. وهذا القول صحيح أيضا على مذهب الأشعري، ولا خلاف فيه.
    ولكن حصل الخلاف فيما وراء ذلك، وهو أن الطاعة تقع بمشيئة الله تعالى كما قالا، وتكون محل رضى الله تعالى اتفاقاً، وأما المعصية فمع وقوعها بإرادة الله اتفاقاً إلا أنها تكون ليست في محل رضاه بل سخطه ونهيه عند الإمام الماتريدي.

    وأما الإمام الأشعري فيرى أن محبة الله شاملة لجميع الأعراض طاعة كانت أو معصية، وفي هذا إطلاق القول بأن الله تعالى يحب المعصية.
    والصحيح أن مذهب الأشعري ليس كذلك، بل قد أطلق القول بأن الله يحب المعصية معاقباً عليها كما يحب الطاعة مثاباً عليها .
    والمحبة عند الأشعري ليست ملازمة للإرادة كما هو واضح أي ليست مساوية لها في التعليقات. ولا المحبة صفة معنى قائم بالذات كما هي الإرادة. بل الرضا والسخط يكون من لوازم الأمر والنهي، فالذي يرضاه الله هو الذي يأمر به، والذي يسخط عليه ينهى عنه.

    المسألة الخامسة:
    تكليف ما لا يطاق ليس بجائز عند الماتريدي، وتحميل ما لا يطاق عنده جائزٌ.
    وكلاهما جائزان عند الأشعري.
    والإمام الأشعري استدل على قوله بقول الله تعالى ]رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ[ والتحميل عنده تحميل تكليف، ولو لم يكن التحميل بما لا يطاق جائزاً لما صحّت الاستعاذة منه.
    وأما الماتريدي، ففرق بين التكليف والتحميل، فالتكليف طلب الفعل أو الإلزام به مع ترتب الثواب والعقاب بحسب ما مرّ، وأما التحميل فمن دون ترتب ثواب ولا عقاب، وليس هو تكليف إذ جاز أن يحمل أحداً بحيث لا يُطيق فيموت بحمله.
    ومن البيّن من كلام الأشعري أنه يجيز التكليف مما لا يطاق عقلاً فقط لا فعلاً وواقعاً.

    المسألة السادسة:
    قال الماتريدي: بعض الأحكام المتعلقة بالتكليف معلومٌ بالعقل، لأن العقل آلةٌ يُدْرَك بها حُسْنُ بعض الأشياء وقُبحها، وبها يُدْرك وجوبُ الإيمان وشكرُ المنعم، وإن المعرِّف والموجِبَ هو الله تعالى لكن بواسطة العقل .
    وقال الأشعري: لا يجب شيء ولا يحرم إلا بالشرع لا بالعقل .
    اشتهر عن علماء الكلام أن الحُسنَ والقبح يطلقان على عدة معان.
    الأول: الملائم للإنسان والمنافر له .
    الثاني: صفة الكمال وصفة النقص، كالعلم لا شك أنه كمال من حيث ذاته، وهو حسن، والجهل يطلق عليه أنه قبيح.
    المعنى الثالث للحسن والقبح فهو ترتب الثواب والعقاب على الشيء، أي إن الفعل يطلق عليه إنه حسن إذا ترتب الثواب على فعله والعقاب على تركه .
    وبعبارة أخرى هل توجد علاقة عقلية، أي يمكن دَرْكُها بالعقل بين الفعل وبين الثواب والعقاب، أم إن هذه العلاقة جعلية محضة، بمعنى أن الشارع يجعلها ويثبتها بمحض إرادته ولو شاء أن لا يثبتها لما كان هناك مانع مطلقاً عند العقل.
    ولا خلاف بين علماء المذاهب والفرق الإسلامية في أن الحسن والقبح بالمعنيين الأوليين عقليان، أي يمكن إدراكهما بالعقل، بلا شرط وجود الشريعة. ولكن محل الخلاف إنما وقع في المعنى الثالث للحسن والقبح بحسب ما وضحناه أخيراً.
    إن الماتريدية قالوا، لا شك أن الثواب والعقاب بإرادة الله، وأنه هو الواضع لذلك والجاعل له، وأن ترتب الثواب والعقاب على الأفعال بجعل الله تعالى.
    وأما الأشاعرة، فقالوا إن العقل وإن لاحظ المناسبة بين ما قلتم، إلا إنه لا يستطيع الجزم والحكم بأن ما أدركه هو قطعاً الذي سوف يحصل. ولذلك فلا حكم للعقل مطلقاً في هذه الحالة، والحكم إنما هو للشريعة.
    وبهذا يتضح أن الفريقين اتفقا على الأصل الكبير الذي ذكرناه ولم يخالف واحدٌ منهما. وإنما وقع الخلاف بينهما في أمر آخر، وهو هل آلة إدراك الأحكام منحصرة في الشرع فقط، أم إن العقل يمكن أن يدركها. وهذا ليس خلافاً في نفس ذلك الأصل كما هو ظاهر.
    ولذلك قال الماتريدية: إن الله تعالى قد وضع من الدلائل والأمارات على وجوده وعلى وجوب الإيمان به، ما يستقل العقل إذا أدركه بالعلم بالوجوب، وبترتب الثواب على الإيمان وترتب العقاب على الكفران.
    وأما الأشاعرة فقالوا: مع أن العقل يمكن أن يقيم الأدلة على وجود الله تعالى وأن هذا هو الحق، ومع تضافر الأدلة العقلية على ذلك، إلا أننا لا يمكن الجزم بترتب العقاب والثواب على ما ذكرتم إلا بورود الشريعة.

    المسألة السابعة:
    قال الماتريدية: قد يسعد الشقي وقد يشقى السعيد.
    وقال الأشعري: لا اعتبار بالسعادة والشقاوة إلا عند الخاتمة والعاقبة.
    أقول:
    عرف الماتريدية السعادة بأنها الإسلام .
    وعرّف الإمام الأشعري السعادة، بأنها الموتُ على الإسلام، ولم يعتبر الإمام الأشعري في مفهوم السعادة والشقاوة إلا حال الموت .
    ومن الواضح أن الخلاف يؤول إلى أن يكون لفظياً مع هذا التوضيح، وهكذا صرّح أكثر من واحد من العلماء وهو الذي أراه.
    وبناءً على ذلك، فالسعيد قد يصير شقياً وبالعكس عند الإمام الماتريدي، إذا تغير حاله من كفر إلى إيمان أو من إيمان إلى كفر. وأما عند الإمام الأشعري فالسعادة والشقاوة لا تتبدلان لأنهما حكم الإنسان في زمانٍ معين وهو حال الموت، وهو إما أن يكون الإسلام أو الكفر.

    المسألة الثامنة:
    قال الماتريدي: العفو عن الكفر ليس بجائزٍ عقلاً.
    وقال الأشعري: يجوز عقلاً لا سمعاً.
    فالعقل آلة لمعرفة الوجوب الذي أثبته الله عند الإمام الماتريدي .
    والإمام الأشعري لما كان يتكلم عن العقل من حيث هو مرتبة للأمر في نفسه، جزم بأن الله لا يجب عليه ثواب المؤمن ولا عقاب الكافر عند العقل، وجزم بأن الله تعالى يثيب المؤمن ويعاقب الكافر.

    المسألة التاسعة:
    قال الماتريدي: تخليد المؤمنين في النار وتخليد الكافرين في الجنة لا يجوز عقلاً ولا سمعاً.
    وعند الأشعري يجوز عقلاً، وأما سمعاً فلا يجوز.
    أقول:
    شرح هذه المسألة راجع إلى نفس الأساس الذي وضحنا بناءً عليه المسألة السابقة، وهما مبنيان على الحسن والقبح .
    فلا يوجد علاقة في نفس الأمر بين الكفر والثواب والعقاب، ولا بين الإيمان والثواب والعقاب.
    فالله تعالى لو شاء أن يرتب الثواب على الكفر والعقاب على الإيمان لجاز ذلك ولا يوجد ما يمنعه عند الإمام الأشعري. قال الله تعالى : إن الله على كل شيء قدير .
    فالخلاف يعود إلى خلاف فرعي ، لأن كلاً منهما لا يجيز تخليد المؤمن في النار والكافر في الجنة سمعاً .

    المسألة العاشرة:
    قال بعض الماتريدية: الاسم والمسمّى واحِدٌ.
    وقال الأشعري بالتغاير بينهما وبين التسمية.
    أقول :
    إن أهمية هذا الأمر تعود إلى فهم أسماء الذات الإلهية ، والأسماء التي تطلق على صفات المولى سبحانه ، والأسماء التي تطلق على أفعال المولى سبحانه .
    فالتي تطلق على الذات ( الله – الرب ) فهي دالة على الذات الإلهية ، أما التي تطلق على الصفات فيقصد بها صفة معنى قائمة بالذات الإلهية ، وهذه الصفة لا يقال هي الذات ولا غير الذات .
    ولشرح هذا الأمر : فإن لفظ الجلالة (الله) يدل على الذات بجميع صفاتها ، أما أسماء الصفات فتدل على صفة واحدة من صفات المولى سبحانه ، وأما صفات الأفعال كالرازق والمنعم فتدل على فعل الذات الإلهية لأن لها متعلقات ، فالرازق تقتضي مرزوق ، والمنعم تقتضي منعماً عليه ، فكان نظر الماتريدي إلى أسماء الذات ، ولاحظ الأشعري بقية الأسماء .

    المسألة الحادية عشرة:
    قال الماتريدي: فِعلُ العبد يُسمَّى كسباً لا خلقاً، وفعلُ الحقّ يُسمَّى خلقاً لا كسباً، والفعل يتناولهما.
    وقال الأشعري: الفعل عبارة عن الإيحاد حقيقة، وكسْبُ العبد يُسمّى فعْلاً بالمجاز.
    أقول:
    ولا يخفى على القارئ أن الإمامين الماتريدي والأشعري اتفقا على أنه لا خالق إلا الله تعالى، ومعنى الخالق الموجد لا من شيء، فيستحيل أن يكون العبدُ خالقاً بهذا المعنى، فالخلاف بينهما فرعي وليس أصلياً .
    فمحلُ الخلاف بين الأشعري والماتريدي، أن الأشعري يقول: كلمة الفعل تطلق حقيقةً ويراد بها الإيجاد لا من شيء، ولذلك فوصف الله تعالى بأنه فاعلٌ حقيقةٌ لغوية، وأما وصف العبد بأنه فاعلٌ فهو مجاز لغويُّ.
    وأما الإمام الماتريدي فقد قال إن إطلاق اسم الفعل على الخلق والكسب هو إطلاق حقيقي لغة.
    أن الإمام الأشعري لا ينفي اتصاف الإنسان بالقدرة، ولكن أثر هذه القدرة ليس هو الإيحاد من العدم، بل هو اكتساب ما خلقه الله تعالى وأوجده من العدم. ولذلك فقدرة الإنسان لا تتعلق إلا بالموجودات بخلاف قدرة الله، بمعنى أن قدرة الله تؤثر في الممكن فتوجده بعد عدمه، ولكن قدرة الإنسان تتعلق بالممكن الموجود على سبيل الاكتساب لا على سبيل الإيجاد.

    نقلا من موقع الدكتور عمر عبد اله كامل حفظه الله تعالى

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 12:44 pm