أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    خواطر حول آية الصيام

    شاطر
    avatar
    خادم السنة
    Admin

    عدد المساهمات : 163
    تاريخ التسجيل : 01/08/2009

    خواطر حول آية الصيام

    مُساهمة  خادم السنة في السبت أغسطس 21, 2010 4:25 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الله تعالى: ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}) [البقرة:183].
    ونحن نعيش أجواء شهر رمضان المبارك تعتري الإنسان المسلم لحظات عميقة من الأنس بالله تعالى، تشعره بحقيقة نعمة الصيام التي تتجلى فيها حقيقة العبودية لله تعالى، فلسان حال الصائم يقول كما قال الشاعر:
    ومما زادني فـــــخراً وتيــــها وكدت بأخمصي أطأ الثريا
    دخولي تحت قولك ياعبـادي وأن صيرت أحمد لي نبيـا
    وأما ما تحمله آية الصيام من المعاني فهي كثيرة، ولا يستطيع بشر أن يحيط بكلام الله تعالى فأقول:
    قوله تعالى:«ياأيها الذين آمنوا» فيه بيان إلى أن المخاطب بالصيام هم المؤمنون من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط، وأما غير المؤمن فليس مخاطباً بالصيام فجعل الله جزاء هذه النعمة محصوراً بالمؤمنين، وهذا ما قاله بعض علماء الأصول إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، فعلى المؤمن أن يستشعر اختيار الله تعالى له، واختصاصه له بنعمة هذا الشهر الفضيل، حيث اختص الله هذا العطاء للمؤمنين فقط دون غيرهم، ومن فتح له هذا الباب من الإدراك فد فتح له الخير الكثير.
    وأما قوله تعالى: « كتب عليكم الصيام»، جاء الحق هنا لبيان فرضية الصيام بصيغة المبني للمجهول، ولعل سائلاً يسأل لم عبر بهذه الصيغة؟
    الجواب: أن الصيام فيه نوع مشقة وعناء فما أحب الله أن يضيف المشقة لنفسه، فقال بصيغة المبني للمجهول(كُتب)، ولم يقل فرض أيضاً، لأن (كتب) أبلغ في الوجوب والثبوت، وذلك للمعاني المنطوية في الكتابة من الثبوت والتوثيق. والله أعلم.
    (الصيام) قال في المصباح المنير: مطلق الإمساك في اللغة، ثم استعمل في الشرع في إمساك مخصوص وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، قال: خيل صيام، وخيل غير صائمة، أي قيام بلا اعتلاف، وَرَجُلٌ صَائِمٌ وَصَوَّامٌ مُبَالَغَةٌ، وَقَوْمٌ صُوَّمٌ وَصُيَّمٌ وَصَوْمٌ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ وَصِيَامٌ .
    ففي الصيام يتحقق معنى المنع والإمساك ظاهراً وباطناً، ظاهراً عن الأكل والشرب والشهوة المفسدة للصيام وهذا هو صوم العامة، وباطناً عن الغيبة والنميمة والكذب والرياء وغيرها من أمراض القلوب وهو صوم الخاصة، فمن أراد أن يكتمل صومه ولا يندرج تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صيامه الا الجوع»رواه أحمد بإسناد حسن، لا بدّ أن يتم صيامه ظاهراً وباطناً.
    وفي الصيام ربط بين الأمر الحسي الذي هو الامتناع الظاهر، والأمر المعنوي الذي ينمي في النفس الشعور بالآخرين، فأنت تجوع لتذكر جياعاً، وتعطش لتذكر عطشى، وتذكر شعوباً مظلومة، فيريد الله تعالى أن ينمي في الإنسان المسلم مشاعر الإنسانية والشعور بالآخرين عن طريق المحسوس ليصل إلى المشعور.
    وكما ينمي الصيام الشعور بالآخرين، كذلك ينمي علاقة الفرد المسلم بربه، فأنت تمتنع عما هو سبب الحياة من الطعام والشراب من أجل الله تعالى، فهو تقديم لأمر الله تعالى على حاجات النفس الضرورية، فإذا اعتادت النفس على ذلك سهل عليها بعد ذلك تقديم أمر الله تعالى في بقية شؤون الحياة.
    وفي الصوم تجد أن الله ما منعك ليحرمك وإنما منعك ليعطيك، وإن كان في ظاهره المنع، فهو عين العطاء، فإن الله يمنعك عن بعض الأشياء ليعطيك أكثر مما منعك بكثير، ولذلك قال بعض العارفين: منعه تعالى عين عطائه، ويتضح ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: « إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به »، لأن كل عمل قد يدخله حظ للنفس إلا الصوم فإنه تأديب للنفس.
    وأما قوله تعالى(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، فهو دليل على ناسخية الإسلام لبقية الشرائع، فمن معاني النسخ النقل، فكل خير جاء في الأمم السابقة جاء مثله أو خير منه في الإسلام، بل هناك من الخير الذي اختصت بها الأمة المحمدية ولم يجعل لغيرها، وعلى ذلك لا عذر عقلاً لأحدٍ لاعتناق غير الإسلام، فشريعتنا جامعة لكل خير في الشرائع السابقة وزيادة، فأني لعاقل أن يترك كل هذا التمام والكمال ويتعلق بغيره، ولذلك قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ) [المائدة:3]، هذا على فرض أن تكون المشابهة تامة بين صومنا وصومهم، فما بالكم إذا كان صيامنا لا يتفق مع صيامهم إلا في الفرضية فقط!!، ويخالفه في الزمان والمقدار والوصف، ففي الإسلام أتم وأكمل من حيث هذه النواحي الثلاث.
    وأما قوله تعالى (لعلكم تتقون)، فهي التفاتة جديدة إلى قضية منهجية تتميز فيها التشريعات الإسلامية عن بقية التشريعات وهذا التميز يتثمل في قضيتين:
    الأولى: الغاية السامية من التشريع، حيث لا يقصد منه منفعة خاصة للمشرع، وهذا بخلاف التشريعات الوضعية حيث ينظر فيها المشرع إلى مصلحته الشخصية أولاً، ولذلك قد تتناسب هذه التشريعات مع الأقوياء دون الضعفاء ومع الأغنياء دون الفقراء، وهو ما يمكن أن يسمى بالمحابات في التشريع لأن البشر مهما وصلوا إلى العدل لن يصلوا إلى العدل المطلق الذي لا يوصف به إلا الإله، ولذلك كل التشريعات الوضعية يعتريها النقص والنقض والتغيير، وأما شرع الله تعالى فلا يعتريه شيء من هذه الاختلافات، مما يجعل الإطمئنان والرضا بشرع الله تعالى والخوف والسخط على غيره من التشريعات الوضعية.
    الثانية: الربط بين العقيدة والعمل، لأن حقيقة التقوى هي عمل واعتقاد، حيث ينمي الصوم الرقابة الذاتية في الإنسان المسلم، وكذلك بقية التشريعات فمثلاً :
    الصلاة: عمل الغاية منها كما قال الحق سبحانهSadتنهى عن الفحشاء والمنكر).
    الصدقة: عمل والغاية منها كما قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
    وعندما يكون التشريع بهذه الصورة فهو يترك الأثر العظيم والطيب في المجتمع المسلم من حيث التكافل والتضامن والأخوة والمحبة، ولعل الحديث عن مدرسة الصيام لا ينتهي، وفي هذا القدر كفاية لمن أدركته العناية, والله ولي التوفيق.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

    وكتبه: الدكتورمحمد العايدي

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 9:05 pm