أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    استخسان الخوض في علم الكلام للإمام الأشعري رضي الله عنه ورحمه الله

    شاطر
    avatar
    خادم السنة
    Admin

    عدد المساهمات : 163
    تاريخ التسجيل : 01/08/2009

    استخسان الخوض في علم الكلام للإمام الأشعري رضي الله عنه ورحمه الله

    مُساهمة  خادم السنة في السبت ديسمبر 25, 2010 12:01 am

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    أنبأنا الشيخ الإمام جمال الدين أبو الحسين بن إبراهيم بن عبد الله القرشي إجازة بخطه ، قال أنبأ الفقيه الإمام فخر الدين أبو المعالي محمد بن أبي الفرج بن محمد بن بركة الموصلي قراءة عليه وأنا أسمع في مسجده بسوق السلطان ببغداد يوم الثلاثاء الثامن من شوال سنة ستمائة ، قيل له قرأتَ على الشيخ الإمام الصدوق أبي منصور المبارك بن عبد الله بن محمد البغدادي يوم عرضِك برباطه المعروف برباط البربهيرية شرقي مدينة السلام من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فأقر به ، أنا الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خالد المعروف بابن الإخوة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ، أنبأنا الشيخ أبو الفضل محمد بن يحيى الناتِلي بمازندران في منزله بقراءتي عليه ، أنا أبو نصر عبد الكريم بن محمد بن هارون الشيرازي ، أنبأ علي بن رستم ، ثنا علي بن مهدي ، قال : سمعت الشيخ الأوحد شيخ المشايخ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه يقول :

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله الطيبين وأصحابه الأئمة المنتخبين .
    أما بعد فإن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم وثقُل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون والعرَضِ والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات البارئ عز وجل بدعة وضلالة ، وقالوا : لو كان ذلك هدى ورشادًا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه وأصحابه ، قالوا : ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين وبيّنه بيانًا شافيًا ، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم وما يقرّبهم إلى الله عز وجل ويباعدهم عن سخطه ، فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه علمنا أن الكلام فيه بدعة والبحثَ عنه ضلالة ، لأنه لو كان خيرًا لما فات النبيَ صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ولتكلموا فيه ، قالوا : ولأنه ليس يخلو ذلك من وجهين : إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه ، أو لم يعلموه بل جهلوه ، فإن كانوا علِموه ولم يتكلموا فيه وسِعنا أيضًا نحن السكوتُ عنه كما وسعهم السكوتُ عنه ، ووسِعنا تركُ الخوض كما وسِعهم تركُ الخوض فيه ، ولأنه لو كان من الدين ما وسعهم السكوت عنه ، وإن كانوا لم يعلموه وسِعَنا جهلُه كما وسع أولئك جهلُه ، لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه ، فعلى كِلا الوجهين الكلامُ فيه بدعةٌ والخوضُ فيه ضلالة . فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول .

    قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : الجوابُ من ثلاثة أوجهٍ :
    ( أحدها ) قلب السؤال عليهم بأن يقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل أيضًا إنه مَن بحَثَ عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعًا ضالاً ، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعةً ضُلالاً إذ قد تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وضلّلتم من لم يضلّله النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
    ( الجواب الثاني ) : أن يقال لهم : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهل شيئًا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرَض والحركة والسكون والجزء والطّفرة وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك معيَّنًا ، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة غيرَ أن هذه الأشياءَ التي ذكرتموها معيّنةً ، أصولُها موجودةٌ في القرءان والسنة جملةً غيرَ مفصّلةٍ .
    فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلُهما موجودٌ في القرءان وهما يدلان على التوحيد ، وكذلك الاجتماعُ والافتراق ، قال الله تعالى مخبِرًا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه في قصة أفول الكوكب والشمس والقمر وتحريكِها من مكانٍ إلى مكانٍ ما دلّ على أن ربه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك ، وأن من جاز عليه الأفولُ والانتقال من مكانٍ إلى مكانٍ فليس بإله .

    وأما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذٌ أيضًا من الكتاب ، قال الله تعالى ( لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا ) ، وهذا الكلام موجَزٌ منبِّهٌ على الحجة بأنه واحدٌ لا شريك له ، وكلام المتكلمين في الحِجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنما مرجعه إلى هذه الآية ، وقولِه عز وجل ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه مِن إلهٍ إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) وإلى قوله عز وجل ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق ) .

    قال الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأرضاه :
    وكلام المتكلمين في الحِجاج في توحيد الله إنما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها ، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذ من القرءان ، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاءُ العرب ومَن قبلَهم مِن غيرِهم فيه حتى تعجّبوا من جواز ذلك فقالوا ( ءإذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد ) ، وقولهم ( هيهاتَ هيهات لما توعدون ) ، وقولهم ( من يحي العظامَ وهي رميم ) ، وقوله تعالى ( أيعِدُكم أنكم إذا مِتّم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مُخرجون ) ، وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورد بالحِجاج في جواز البعث بعد الموت في القرءان تأكيدًا لجواز ذلك في العقول وعلّم نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارِهمُ البعثَ من وجهين على طائفتين : منهم طائفة أقرّت بالخلق الأول وأنكرَت الثاني ، وطائفةٌ جحدَت ذلك بقدم العالم ، فاحتجّ على المقِرِّ منها بالخلق الأول بقوله ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) وبقوله ( وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيدُه وهو أهون عليه ) وبقوله ( كما بدأكم تعودون ) ، فنبّههم بهذه الآيات على أن من قدر أن يفعل فِعلاً على غير مثالٍ سابقٍ فهو أقدرُ أن يفعلَ فعلاً محدَثًا فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفِكم ، وأما البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خلقُ شيءٍ بأهونَ عليه من الآخر ، وقد قيل : إن الهاءَ في " عليه " إنما هي كنايةٌ للخلق بقدرته ، إن البعثَ والإعادةَ أهونُ على أحدكم وأخفُ عليه من ابتداء خلقهِ ، لأن ابتداءَ خلقهِ إنما يكون بالولادة والتربية وقطعِ السرة والقِماطِ وخروجِ الأسنان وغير ذلك من الايات الموجِعة المؤلِمة ، وإعادتُه إنما تكون دفعةً واحدة ليس فيها من ذلك شيء فهي أهون عليه من ابتدائه ، فهذا ما احتج به على الطائفة المقِرّةِ بالخلق .

    أما الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني وقالت بقِدَم العالم فإنما دخلَت عليهم شبهةٌ بأن قالوا : وجدنا الحياةَ رطبةً حارةً والموتَ باردًا يابسًا ، وهو من طبع التراب ، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخِرة فيصير خلقًا سويًا ، والضدان لا يجتمعان ، فأنكروا البعثَ من هذه الجهة .

    ولعمري إن الضدين لا يجتمعان في محلٍ واحدٍ ولا في جهةٍ واحدة ولا في الموجود في المحل ، ولكنه يصح وجودُهما في محلين على سبيل المجاورة ، فاحتج الله تعالى عليهم بأن قال ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون ) ، فردّهم الله عز وجل في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرّها ويُبسها من الشجر الأخضر على بردها ورطوبتها ، فجعل جوازَ النشأة الأولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة لأنها دليل على جواز مجاورة الحياةِ الترابَ والعظامَ النخرةَ فجعلها خلقًا سويًا وقال ( كما بدأنا أول خلقٍ نعيدُه ) .

    وأما ما يتكلم به المتكلمون من أن للحوادث أولاً وردُّهم على الدهرية أنه لا حركة إلا وقبلَها حركة ولا يومَ إلا وقبلَه يوم ، والكلامُ على من قال : ما من جزء إلا وله نصف لا إلى غاية ، فقد وجدنا أصل ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال : " لا عدوى ولا طِيَرة ، فقال أعرابي : فما بالُ الإبل كأنها الظِباء تدخل في الإبل الجربى فتجرَبُ ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فمن أعدى الأول " ؟ (1) فسكت الأعرابيُ لما أفحمه بالحجة المعقولة .
    كذلك نقول لمن زعم أنه لا حركة إلا وقبلها حركة : لو كان الأمرُ هكذا لم تحدث منها واحدة ، لأن ما لا نهاية له لا حدَثَ له ، وكذلك لما قال الرجل : يا نبي الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسودَ وعرّضَ بنفيه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هل لك من إبل ؟ فقال : نعم ! قال : فما ألوانها ؟ قال : حُمْرٌ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل فيها مِن أورَقَ ؟ قال : نعم إن فيها أورق ، قال : فأنى ذلك ؟ قال : لعل عرقًا نزعه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ولعل ولدك نزعه عِرقٌ ، فهذا ما علّم اللهُ نبيَه (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن ردِّ الشيء إلى شكله ونظيره ، وهو أصلٌ لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير .

    وبذلك نحتج على من قال : إن الله تعالى وتقدس يشبه المخلوقات وهو جسم ، بأن نقول له : لو كان يشبه شيئًا من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كل جهاته ، أو يشبهه من بعض جهاته ، وإن كان يشبهه من بعض جهاته وجب أن يكون محدَثًا مثلَه من حيثُ أشبَهَهُ ، لأن كل متشابهين حكمُهما واحدٌ فيما اشتبها به ، ويستحيل أن يكون المحدَثُ قديمًا والقديمُ محدَثًا ، وقد قال تعالى وتقدس ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى وتقدس ( ولم يكن له كفوًا أحد ) .
    وأما الأصل في أن للجسم نهاية وأن الجزء لا ينقسم فقوله عز وجل اسمه ( وكلَّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مبين ) ومُحالٌ إحصاءُ ما لا نهاية له ، ومحالٌ أن يكون الشيءُ الواحدُ ينقسم (2) لأن هذا يوجب أن يكونا شيئين ، وقد أخبر أن العدد وقع عليهما . وأما الأصل في أن المحدِثَ للعالم يجب أن يتأتى له الفعلُ نحو قصدِه واختيارِه وتنتفي عنه كراهيتُهُ ، فقوله تعالى ( أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجة إنهم يخلُقون مع تمنّيهم الولدَ ، فلا يكون مع كراهيته له فنبّههم أن الخالق هو مَن يتأتّى منه المخلوقاتُ على قصدِه .

    وأما أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك تعليمُ الله عز وجل إياه حين لقي الحبرَ السمينَ فقال له : نشَدتُك بالله هل تجد فيما أنزل الله تعالى من التوراة أن الله تعالى يبغض الحبر السمين ؟ فغضب الحبرُ حين عيّره بذلك (3) ، فقال : ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيء ، فقال الله تعالى ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) الآية ، فناقضه عن قربٍ ، لأن التوراة شيء ، وموسى بشر ، وقد كان الحبر مقرًا بأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى .

    وكذلك ناقض الذين زعموا أن الله تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار ، فقال تعالى ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين ) فناقضهم بذلك وحاجّهم .
    وأما أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) إلى قوله ( لا يسمعون ) فإنها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبدَ الله ابن الزِبَعْرَى ـ وكان جدِلاً خصِمًا ـ فقال : خصمتُ محمدًا وربِ الكعبة ، فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا محمد ألست تزعم أن عيسى وعزيرًا والملائكةَ عُبِدوا ؟ فسكت النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم لا سكوتَ عِيٍ ولا منقطعٍ تعجبًا من جهله لأنه ليس في الآية ما يوجب دخولَ عيسى وعزيرٍ والملائكةِ فيها ، لأنه قال ( وما تعبدون ) ولم يقل وكل ما تعبدون من دون الله ، وإنما أراد ابن الزِبَعْرى مغالطةَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليوهمَ قومَه أنه قد حاجّه ، فأنزل اللهُ عز وجل ( إن الذين سبقَت لهم منا الحسنى ) يعني من المعبودين ( أولئك عنها مُبعَدون ) فقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فضجوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعُهم وغلطهم فقالوا : " آلهتنا خير أم هو " يعنون عيسى ، فأنزل الله تعالى ( ( ولما ضُرِبَ ابنُ مريمَ مثلا إذا قومُك منه يصدون ) إلى قوله ( خصِمون ) ، وكل ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصلٌ وحجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل وإن لم تكن كلُ مسئلةٍ معينةً في الكتاب والسنة ، لأن ما حدث تعيينُها من المسائل العقليات في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابةِ قد تكلموا فيه على نحو ما ذكرناه .

    الجواب الثالث : أن هذه المسائل التي سألوا عنها قد علِمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجهل منها شيئًا مفصّلاً غيرَ أنها لم تحدث في أيامه معيّنةً فيتكلم فيها أو لا يتكلم فيها وإن كانت أصولها موجودةً في القرءان والسنة وما حدث من شيء فيما له تعلق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجّوا كمسائل العَول والجدّات من مسائل الفرائض وغيرِ ذلك من الأحكام وكالحرام والبائن والبتة وحبلَكِ على غاربِك وكالمسائل في الحدود والطلاق مما يكثر ذكرها مما قد حدثت في أيامهم ولم يجئ في كل واحدة منها نص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لو نص على جميع ذلك ما اختلفوا فيها ، وما بقي الخلاف إلى الآن .

    وهذه المسائل وإن لم يكن في كل واحدة منها نص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم ردوها وقاسوها على ما فيه نص من كتاب الله تعالى والسنة واجتهادهم ، فهذه أحكامُ حوادثِ الفروع رَدوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تُدرَك أحكامُها إلا من جهة السمع والرسل ، فأما حوادث تحدث في الأصول في تعيين مسائلَ فينبغي لكل عاقلٍ مسلمٍ أن يردَّ حكمَها إلى جملة الأصول المتفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك ، لأن حكم مسائل الشرع التي طريقها السمعُ أن تكون مردودةً إلى أصول الشرع الذي طريقه السمعُ ، وحكمُ مسائل العقليات والمحسوسات أن يُرَدَّ كلُ شيءٍ من ذلك إلى بابه ولا يخلِطَ العقلياتِ بالسمعياتِ ولا السمعياتِ بالعقليات ، فلو حدث في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكلامُ في خلق القرءان وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلم فيها وبيّنه كما بيّن سائرَ ما حدث في أيامه من تعيين المسائل وتكلم فيها .

    ثم يقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصحَّ عنه حديثٌ في أن القرءان غيرُ مخلوق أو هو مخلوق ، فلم قلتم : إنه غير مخلوق ؟
    فإن قالوا : قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين ، قيل لهم : يلزم الصحابي والتابعي مثلُ ما يلزمكم من أن يكون مبتدِعًا ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
    فإن قال قائل : فأنا أتوقف في ذلك فلا أقول : مخلوق ولا غير مخلوق ، قيل له : فأنت في توقفك في ذلك مبتدعٌ ضالٌ ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل : إن حدثَتْ هذه الحادثةُ بعدي توقفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئًا ، ولا قال : ضلِلوا وكفِروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه .

    وخبّرونا لو قال قائلٌ إن عِلمَ اللهِ مخلوقٌ أكنتم تتوقفون فيه أم لا ؟ فإن قالوا : لا ، قيل لهم : لم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابُه في ذلك شيئًا ، وكذلك لو قال قائل : هذا ربُكم شبعانُ أو ريانُ أو مكتسٍ أو عَريان أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب أو جسم أو عرَضٌ أو يشم الريح أو لا يشمها أو هل له أنفٌ وقلبٌ وكبدٌ وطِحالٌ وهل يحج في كل سنة ، وهل يركب الخيل أو لا يركبها ، وهل يغتمُّ أم لا ؟ ونحوَ ذلك من المسائل ، لكان ينبغي أن تسكت عنه ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم في شيء من ذلك ولا أصحابُه ، أو كنتَ لا تسكتُ ، فكنتَ تبينُ بكلامك أن شيئًا من ذلك لا يجوز على الله عز وجل وتقدس كذا وكذا بحجة كذا وكذا .

    فإن قال قائل : أسكتُ عنه ولا أجيبه بشيءٍ أو أهجرُه أو أقوم عنه أو لا أسلم عليه أو لا أعوده إذا مرض أو لا أشهد جنازته إذا مات ، قيل له : فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتَها مبتدعًا ضالاً ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل : من سأل عن شيءٍ من ذلك فاسكتوا عنه ، ولا قال : لا تسلموا عليه ولا قوموا عنه ، ولا قال شيئًا من ذلك فأنتم مبتدعةٌ إذا فعلتم ذلك ، ولِمَ لَم تسكتوا عمّن قال بخلق القرءان ولِمَ كفّرتموه ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثٌ صحيحٌ في نفي خلقه وتكفيرِ من قال بخلقه .
    فإن قالوا : لأن أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال بنفي خلقه وتكفيرِ من قال بخلقه ، قيل لهم : ولِمَ لم يسكت أحمدُ عن ذلك بل تكلم فيه ؟
    فإن قالوا : لأن العباس العنبري ووكيعًا وعبدَ الرحمن بنَ مهدي وفلانًا وفلانًا قالوا إنه غيرُ مخلوق ، ومَن قال بأنه مخلوقٌ فهو كافر .
    قيل لهم : ولِم لم يسكت أولئك عما سكت عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن قالوا : لأن عمرو بن دينار وسفيانَ بن عيينة وجعفرَ بن محمد رضي الله عنهم وفلانًا وفلانًا قالوا : ليس بخالقٍ ولا مخلوق .
    قيل لهم : ولم لم يسكت أولئك عن هذه المقالة ، ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
    فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعةٍ منهم كان ذلك مكابرةً ، فإنه يقال لهم : فلم لم يسكتوا عن ذلك ، ولم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا قال : كفّروا قائلَه ، وإن قالوا : لا بد للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلمَ الجاهلُ حكمَها ، قيل لهم : هذا الذي أردناه منكم ، فلِمَ منعتم الكلامَ ، فأنتم إن شئتم تكلمتم حتى إذا انقطعتم قلتم : نُهينا عن الكلام ، وإن شئتم قلّدتم مَن كان قبلكم بلا حجةٍ ولا بيان ، وهذه شهوةٌ وتحكّمٌ .
    ثم يقال لهم : فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم في النذور والوصايا ولا في العتق ولا في حساب المناسَخات ، ولا صنّف فيها كتابًا كما صنعه مالكٌ والثوري والشافعي وأبو حنيفة ، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعةً ضُلالاً إذ فعلوا ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا ما لم يقله نصًا بعينه ، وصنّفوا ما لم يصنّفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا بتكفير القائلين بخلق القرءان ولم يقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
    وفيما ذكرنا كفاية لكل عاقل غيرِ معاند

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 12:53 pm