أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    (( تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال )) (3) لشيخنا العلامة محدث الحرمين / محمد بن علوي المالكي رحمه الله

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    (( تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال )) (3) لشيخنا العلامة محدث الحرمين / محمد بن علوي المالكي رحمه الله

    مُساهمة  حجة الحق في الإثنين يناير 18, 2010 7:09 am

    وضع الجريد على القبر
    قال جماعة من العلماء: إن من جملة ما ينتفع به الميت وضع الجريد على القبر لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مر بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان -وما يعذبان في كبير- كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول ـ أو قال: من البول ـ ثم أخذ جريدة رطبة فكسرها فغرز عند رأس كل قبر منهما قطعة ثم قال: عسى أن يخفف عنهما ما لم ييبسا))، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس.
    وجاء بلفظ آخر عن جابر عند مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصناً فأقبل بهما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين)).
    ورواه أيضاً ابن أبي شيبة عن أبي بكرة بلفظ: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمر على قبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، من يأتيني بجريدة؟ فاستبقت أنا ورجل فأتينا بها، قال: فشقها من رأسها فغرس على هذا واحدة وعلى هذا واحدة قال: لعله يخفف عنهما ما بقي فيهما من بلولتهما شيء، كانا يعذبان في الغيبة والبول)).
    وقد ذكر أن ابن أبي شيبة روى في هذا الباب عدة أحاديث عن أبي هريرة وابن عباس ويعلى بن شبابة رضي الله عنهم.

    قال القرطبي في التذكرة معلقاً على حديث ابن عباس الذي أخرجاه في الصحيحين وحديث أبي بكرة الذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وحديث جابر الذي أخرجه مسلم في أواخر كتابه قال: الذي يظهر لي أنهما قضيتان مختلفتان لا قضية واحدة كما قال من تكلم على ذلك، ويدل عليهما سياق الحديث، ففي حديث جابر زيادة على رطوبة الغصن وهي: شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وحديث ابن عباس يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطباً لا زيادة معه، وفي حديث أبي بكرة وابن عباس عسيباً شقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده نصفين وغرزهما بيده، وحديث جابر بخلافهما، ولم يذكر فيه ما يعذب بسببه. اه‍.

    وقال الحافظ في الفتح معلقاً على حديث الباب: وأما ما رواه مسلم من حديث جابر الطويل أنه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه فالمغايرة بينهما من أوجه: منها أن هذه كانت في المدينة، وكان معه صلى الله عليه وآله وسلم جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده. ومنها: إن في هذه القصة أنه صلى الله عليه وآله وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، وفي حديث جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر جابراً بقطع غصنين من شجرتين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابراً فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً، وأن جابراً سأله عن ذلك فقال: ((إني مررت بقبرين يعذبان......)) ولم يذكر في قصة جابر أيضاً السبب الذي كانا يعذبان به، ولا الترجي الآتي في قوله: (لعله) فبان التغاير بين حديث ابن عباس وحديث جابر وأنهما كانا في قصتين مختلفتين ولا يبعد تعدد ذلك، قال: وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبر فوقف عليه فقال: ائتوني بجريدتين. فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، وفي قصة الواحد: جعل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين جعل على كل قبر جريدة. اه‍.
    تعليقات للعلماء مؤيدة
    روى الإمام البخاري في الجنائز من صحيحه معلقاً. عن بريدة بن الحصيب أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان.
    قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في وضعه الجريدتين على القبرين، ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}[إبراهيم:23]، قال: والأول أظهر، ويؤيده إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب.

    قال: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصاً بذينك الرجلين. وقال أيضاً: أثر بريدة يؤذن بمشروعيتها، والذي يظهر من صنيع البخاري وتصرفه ترجيح الوضع، وعلل إرداف البخاري لأثر ابن عمر عندما رأى فسطاطاً قد ضرب على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله، قال: يجاب عنه بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت، بخلاف وضع الجريدة لأن مشروعيتها ثبتت بفعله صلى الله عليه وآله وسلم. اه‍.
    وقال الأمير الصنعاني في العدة: قد تأسى بريدة بذلك، ولا يتم التأسي إلا بناءً على أنه أمر به صلى الله عليه وآله وسلم من يضعها، لأنه وضعها بيده الشريفة، أو أنه لا خصوصية ليده الكريمة في مطلق التخفيف، قال الخفاجي في الريحانة: وعليه عمل الناس إلى الآن حتى رتبوا لذلك أوقافاً. اه‍.
    قال الإمام النووي رحمه الله معللاً اختياره صلى الله عليه وآله وسلم للرطب من الجريدة وتركه اليابس منه قال: لكونهما يُسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...}الآية[الإسراء:44]،. قالوا: معناه وإن من شيء حي، ثم قال: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع قال: ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله، قال المحققون: على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ...}الآية[البقرة:74]، قال: وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به وجب المصير إليه، والله أعلم.
    وقال أيضاً: لهذا الحديث استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى، اه‍. ونحوه لابن دقيق العيد في الأحكام، والطيبي في شرح المشكاة.

    وقال القرطبي في التذكرة: يستفاد من هذا الحديث غرس الأشجار وقراءة القرآن، فإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟
    وقال أيضاً: قد استدل بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين.
    اعتراضات مردودة
    وقد قال بعضهم: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستدل على عدم مشروعية وضع الجريد على القبر بأمور سنردها فيما بعد:
    منها أنه لا يعرف عن أحد من الخلفاء الراشدين، وما ثبت عن بريدة ليس بحجة لأنه انفرد بذلك، ومنها أن هذا من الأمور المغيبة، ووضع الجريد يستلزم الحكم بأنه يعذب في قبره، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله في كل القبور بل فعله مرة، فدل على أنه خاص بذينك القبرين وأنه ليس مشروعاً.

    والجواب عن الأول: أن الجمهور من العلماء على أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل، قال ابن عبد البر معلقاً على حديث أم سلمة في القبلة للصائم: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ قال فيه: أن فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله يحسن التأسي به فيه على كل حال إلا أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه له خاصة، أو ينطق القرآن بذلك، وإلا فالاقتداء به أقل أحواله أن يكون مندوباً إليه، ومن أهل العلم من رأى أن جميع أفعاله واجب الاقتداء بها كوجوب أوامره، قال: والدليل على أن أفعله كلها يحسن التأسي به فيها قول الله عزّوجلّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...}[الأحزاب:21]، فهذا على الإطلاق، إلا أن يقوم الدليل على خصوص شيء منه فيجب التسليم له، وإلا فلا يجوز ادعاء الخصوص عليه في شيء بوجه من الوجوه إلا بدليل مجمع عليه، وإلا فيما بان به خصوصه في القرآن أو السنة الثابتة أو الإجماع، لأنه قد أمرنا باتباعه والتأسي به والاقتداء بأفعاله، وغير جائز عليه أن يخص شيء فيسكت لأمته عنه ويترك بيانه لها، وهي مأمورة باتباعه، هذا ما لا يظنه ذو لب مسلم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. اه‍ باختصار.
    وأما الجواب عن الثاني: بأن يقال: إن هناك أموراً كثيرة لا تعرف عن الخلفاء الراشدين قد فعلها الناس من بعدهم، منها تعدد الجمع في البلد الواحد، وصلاتا العيدين في الصحراء وغيرها، ثم إن ترك الخلفاء لهذا إنما هو عدم دليل، وكما أنه لا يعرف عنهم فعله، كذلك لم يثبت عنهم النهي عنه، أو القول بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وأما قول بعضهم: بأن بريدة انفرد بذلك، فخطأ، فقد ثبت أيضاً عن غيره، قال الحافظ السيوطي: روى ابن عساكر في تاريخه من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، أن أبا برزة الأسلمي رضي الله عنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على قبر وصاحبه يعذب فأخذ جريدة فغرسها في القبر وقال: ((عسى أن يرفه عنه ما دامت رطبة))، قال: وكان أبو برزة يوصي: إذا مت فضعوا في قبري جريدتين .. الحديث، فهذا يدل على أن أبا برزة أيضاً فهم من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشروعية وضع الجريد على القبر، وأن بريدة لم ينفرد بهذا.
    وأما قول بعضهم: إن هذا من الأمور المغيبة، ووضع الجريد يستلزم الحكم بأنه يعذب فليس بمجد في المقصود، فقد تعقب الحافظ ابن حجر القاضي عياض لقوله: علل غرزهما على القبر بأمر مغيب وهو قوله: ليعذبان، فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نتسبب له في أمر يخفف العذاب أن لو عذب كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة.
    وأما احتجاج بعضهم بعدم مشروعيته لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله في كل القبور، فهذه أيضاً حجة مردودة ومتعقبة بأنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى عند قبر كل من دفن ولم يصل هو عليه، ومع ذلك فإن الجمهور يقولون مشروعية الصلاة بعد الدفن لمن فاتته الصلاة والمسألة من مباحث الأصول، على أنه قد صحح الثقات القول بتعدد القصة وثبوتها غير مرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة فيما احتجوا به.

    الاجتماع للتعزية في بيت الميت
    من أهم المسائل التي يقع بسببها الخلاف والخصام الذي يصل إلى المقاطعة والحكم على الناس بالبدعة والضلال هو جلوس أهل الميت واجتماعهم في مجلس يجمعهم لاستقبال المعزين في وفاة فقيدهم، وقد جرت العادة أن يقف أهل الميت في صف واحد فيما يسمى (بصف العزاء) تسهيلاً لمهمة العزاء بدلاً من أن يدور المعزِّي من مكان إلى مكان باحثاً عن أهل الميت ليعزيهم وخصوصاً إذا فاته حضور تشييع الجنازة، وهذا يوفر على الناس وقتاً كبيراً ولولا ذلك لاضطر المعزون إلى المشي لكل واحد من أهل الميت في بيته لتعزيته، كما أن فيه جبراً لخاطر أهل الميت ومؤانسة لهم في وحشتهم وحزنهم أول مصيبتهم، وهي مسألة فرعية لا تستوجب ذلك الإنكار والهجوم الشديد، ولا تقتضي ما يقع بسببه من الخصام والمقاطعة.
    والأصل في جوازها أو مشروعيتها ما رواه الإمام البخاري في الجنازة (باب من جلس عند المصيبة). وأبو داود في الجنائز من سننه في (باب الجلوس عند المصيبة) وفي نسخة (باب من جلس في المسجد وقت التعزية) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد يعرف فيه الحزن.
    فأنت ترى الإمامين البخاري وأبا داود جعلا عنوان الباب بلفظ صريح في الجلوس وقت التعزية، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. اه‍.
    ثم إن تعزية أهل البيت مقصد شرعي، واجتماعهم في بيت واحد وسيلة يتحقق بها هذا المقصد، والقاعدة عند الفقهاء أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام الشرعية.

    أما القول بأن الجلوس بدعة فلا أعلم أحداً نص عليه من أهل العلم، وكيف يكون الجلوس بدعة وقد جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! بل لا يصدق عليه تعريف البدعة التي هي كما قال الإمام الشاطبي في الاعتصام: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية).
    نعم إن هذا التعريف يصدق على معنى آخر نص العلماء على أنه بدعة وهو أن يصنع أهل البيت طعاماً ويجمعون الناس عليه، وإنما كان بدعة لأن السنة أن يصنع الناس لأهل الميت الطعام، فمن ترك هذه السنة وأحدث طريقة غيرها كان مبتدعاً، فقد نص الإمام النووي رحمه الله على أنه بدعة غير مستحبة.
    وقال ابن تيمية فيما نقله عنه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرءوا ويهدوا له ليس معروفاً عند السلف، وقد كرهه طوائف من العلماء من غيره وجه. اه‍.

    فيا ليت المنكرين المعترضين على الناس في هذه المسائل يسلكون مسلك الشيخ ابن تيمية ويتأدبون بأدب أسلوبه في الانتقاد والإنكار حيث اكتفى بقوله: (ليس معروفاً عند السلف وقد كرهه جماعة) فما ألطف هذه الجملة! وما أحسن هذا الأسلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأين هذا مما نسمعه من إخواننا المنكرين من الهجوم الشديد، والإنكار الغليظ بالألفاظ البشعة، والأساليب المنفردة، والمقاطعة لأهلهم وأرحامهم، وعدم مشاركتهم في مصيبتهم وأحزانهم، بدعوى أن فيها مخالفة للسنة ومحاربة لله ورسوله، وأن حضور ذلك تكثير لأهل البدع والضلالات، فلا أدري من هو الذي وقع في الضلال المتفق على ضلاله؟ ومن هو الذي فعل المنكر المتفق عليه؟ هل الذين اجتمعوا في بيت الميت للتعزية المشروعة؟ أم الذين قاطعوا أرحامهم وأهلهم واتهموهم بالبدعة والضلالة، فتركوا تعزيتهم وتسليتهم في مصائبهم، وفاتهم أجر عظيم بسبب ذلك، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}[محمد:22].
    وعليه فمن جلس للعزاء فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى إذا خلا ذلك عن المنهي عنه الذي يقع في بعض البلاد جهلاً أو تهاوناً، ومن ترك الجلوس لا ينكر عليه، لأن المسألة من مسائل الخلاف التي تتسع لها الصدور المؤمنة ولا تضيق.
    ولأن الإنكار في مثل هذه المسألة ليس من عمل السلف الصالح وإنما هو أمر محدث أحدثه الناس في الأزمان المتأخرة. فعلى طلبة العلم أن ينتزعوا هذا الإنكار المحدث من مجتمعاتهم، وأن يعيدوا الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من عدم الإنكار في مسائل الخلاف، والحمد لله رب العالمين.

    قراءة الفاتحة و(يس) لأموات المسلمين
    جرت العادة في كثير من البلاد الإسلامية وفي الحرمين الشريفين خصوصاً أن يجتمعوا على قراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى في مناسبات عديدة تقرباً وتوسلاً بكتابه العظيم وذكره الكريم في قضاء الحوائج، وتفريج الكروب، وإصلاح القلوب، وغفران الذنوب، ورحمة الموتى، واللطف بالأحياء، وبلوغ الأماني على اختلافها.
    وتكثر العناية في هذا الباب بقراءة الفاتحة، و(يس) و(تبارك)، وبالتهليل، والتكبير، والتسبيح، والصلاة والسلام على الحبيب الأعظم والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
    معنى الاختيار والتفضيل
    قد يخطر ببال بعضنا ما قد يعذر فيه، فيقول مثلاً: لماذا كانت هذه السور والآيات أفضل من غيرها؟
    وقد حرر الجواب على هذه المسألة فضيلة الإمام السيد محمد زكي إبراهيم فقال:
    إن القرآن كله كلام الله تعالى، فهو من حيث المصدر والذاتية والتنزيل المناسب للأحداث، لا تفضيل فيه لبعض الآي والسور على بعض، أما ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيان فضل بعضها فليس معناه أنه لا فضل لباقيها، ولكن معناه أن ملابسات خاصة وقعت فجعلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصرح بما في بعض هذه السور والآيات من البركة والخير، وبالتالي فإنه لم تقع الملابسات التي ربما لو وقعت لكشف لنا صلى الله عليه وآله وسلم عما لا نعرفه من فضل بقية السور والآيات، فالفضل هنا وهنا موجود، ولكننا عرفنا هذا ولم نعرف ذاك لأن هذا الفضل سرّ، ولا يمكن الإحاطة به إلا بوحي وبيان من الصادق المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.
    هذا وقد قال بعض العلماء: إن الأفضلية في الآيات والسور ليست في ذاتها ولكن في الأجر عليها والانتفاع بها في مواضعها.
    وقال فريق آخر، منهم القرطبي، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، والحليمي، وابن القصَّار، وغيرهم: إن الأفضلية طبيعة الأشياء الكونية كلها فلا عيب أبداً في أن تكون هناك آية أو سورة أفضل من غيرها لسبب أو لآخر.

    قالوا: فإن مدلول قوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}[الحديد:3]، ليس كمدلول قوله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}[الأنعام:144]، {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}[الأنعام:143]، وإن ما في آية (الكرسي) من المعاني ليس في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ}[المسد:1]، فالتفضيل عندهم من حيث المعاني، وإن استوى الجميع من حيث المصدر والغاية.
    ولا مانع أن يكون لبعض السور والآيات القرآنية مزايا خاصة لمنافع معينة أخبر بها المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فهذه المزايا بمنافعها في مجالاتها الخاصة المعينة لا تقتضي أفضليتها على غيرها، ولهذا يقول العلماء في هذا الباب: (المزية لا تقتضي الأفضلية).
    وأمثلة هذا كثيرة، وكتب السنة المشرفة طافحة بها، فمنها ما جاء في خصائص بعض الآيات والسور مما هو لدفع الشر، ومنها ما هو لجلب الخير، ومنها ما هو لقضاء الدَّين، ومنها ما هو لذهاب الهم والحزن، ومنها ما هو للشفاء من الأمراض عامة، ومنها ما هو للشفاء من أمراض خاصة كالصرع، والحمى، والحسد، والوسواس، والشيطان، ومنها ما جاء أنه يقرأ على الموتى وهو موضوعنا، ومنها ما هو لدفع الفقر والفاقة.
    والقرآن كله كلام الله، وفضله وأجره كبير والله ذو الفضل العظيم.
    فضل سورة الفاتحة
    عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم أجبه، قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ((ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرسول إِذَا دَعَاكُمْ}[الأنفال:24]الآية، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت: ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن؟ قال: (الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).

    وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نَأْبِنُهُ برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ أو كنت ترقي؟ قال: ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم)).
    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) (ثلاثاً) غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال: مجدني عبدي، وقال مرة فوّض إليّ عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، قال سفيان: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب دخلت عليه وهو مريض في بيته فسألته أنا عنه.
    وعن ابن عباس: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: هي أم الكتاب.
    وعن أبي هريرة أن إبليس رنّ حين نزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة.

    وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قرأ أم القرآن و(قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن)).
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (((الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).
    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها)).
    وعن عبد الملك بن عمير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)).
    وعن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: ((هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)).
    فائدة قال في بغية المسترشدين للإمام عبد الرحمن بن محمد المشهور رحمه الله:
    رجل مرّ بمقبرة فقرأ الفاتحة وأهدى ثوابها لأهلها فهل يقسم أو يصل لكل منهم ثوابها كاملاً؟
    أجاب الشيخ ابن حجر بقوله: أفتى جمع بالثاني وهو اللائق بسعة رحمة الله تعالى. اه‍.
    ثم قال: نقل عن فتاوى السيد العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه: الأولى لمن يقرأ الفاتحة لشخص أن يقول: إلى روح فلان بن فلان، كما عليه العمل لبقاء الأرواح وفناء الأجسام، وإن كان لها بعض مشاركة في النعيم، وضده في البرزخ، إذ الروح الأصل، وسر ذلك أن حقيقة المعرفة، والتوحيد، وسائر الطاعات الباطنة، إنما نشأ عن الروح، فاستحقت أكمل الثواب وأفضله. اه‍ ملخصاً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 11:19 am